مكتبة الجامعة في زمن الذكاء الاصطناعي
بين رفوف الكتب ومحركات الإجابة: من يقود المشهد اليوم؟
من وسيط للمعرفة إلى شريك في إنتاجها: إعادة تعريف دور المكتبة الجامعية!
حين تتكلم الخوارزميات... هل تفقد المكتبة عرشها المعرفي؟
المكتبة والذكاء الاصطناعي: جدلية الإنسان والآلة في صناعة الحقيقة
استطلاع تقريري: مكتب النشر
تمهيد: سؤال يتجاوز التقنية
لم يعد السؤال حول الذكاء الاصطناعي سؤالًا تقنيًا بحتًا، بل أصبح سؤالًا معرفيًا وأخلاقيًا وتربويًا في آنٍ معًا. في الجامعات، حيث تتشكل العقول وتُبنى المنهجيات، يطفو تساؤل ملحّ: هل لا تزال مكتبة الجامعة المصدر الأول للمعرفة؟ أم أن أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT، بدأت تعيد ترتيب هرم المصادر؟
هذا التحقيق يرصد آراء قيادات المكتبة، وأعضاء هيئة التدريس، والطلبة؛ ليفكك العلاقة بين المصدر الورقي والرقمي، بين المرجع الموثق والخوارزمية السريعة.
المحور الأول
المكتبة: المصدر الأول... ولكن بشروط العصر
يؤكد الأستاذ محمد بن عبدالله الحسيني، نائب مدير مكتبة جامعة نزوى، أن المكتبة الجامعية "كانت ولا تزال المصدر الأول للطالب والباحث"، مستندًا إلى ما توفره من مصادر علمية موثوقة اقتُنيت بمبالغ مالية كبيرة، لا تتوافر بالضرورة في فضاء الذكاء الاصطناعي المفتوح، الذي يعتمد في تغذيته على الشبكات العامة وما يتعلمه من تفاعلاته اليومية.
وفي السياق ذاته، ترى رقية بنت سعيد الفارسية، موظفة تقنية في المكتبة، أننا نعيش زمن تسارع رقمي مهيب، أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية؛ مما يفرض إعادة طرح السؤال عن شكل المكتبات مستقبلًا: هل تبقى كما هي؟ أم تتحول؟
أما الدكتورة طيبة الرواحي فتقدّم قراءة متوازنة؛ إذ تعترف بأن المكتبة لم تعد المصدر الأول للمعرفة بالمعنى التقليدي من حيث السرعة؛ لكنها تظل المصدر الأول للمعرفة الموثوقة. تقول: "ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي للفهم السريع والاستكشاف الأولي؛ لكنني أعود إلى المكتبة عندما أحتاج إلى مصدر أكاديمي محكّم يمكن الاستناد إليه علميًا".
وهكذا يتشكل مشهد جديد: الذكاء الاصطناعي للفهم الأولي، والمكتبة للتوثيق والاعتماد الأكاديمي.

المحور الثاني
كيف يبحث الطلبة اليوم؟ من الكلمات المفتاحية إلى هندسة الأوامر
تشير آراء المشاركين إلى تعددية في مسارات البحث الأكاديمي:
-
محركات البحث العامة مثل Google
-
الباحث الأكاديمي Google Scholar
-
قواعد البيانات الجامعية
-
أدوات الذكاء الاصطناعي
ويرى الدكتور خليفة علي أن الطلبة أصبحوا يعتمدون أولًا على أدوات الذكاء الاصطناعي؛ لما توفره من سرعة في تنظيم الأفكار، وتلخيص الدراسات ودعم الفهم العميق، ثم ينتقلون إلى قواعد البيانات العلمية للحصول على المصادر المحكمة اللازمة للتوثيق. بينما تراجع دور البحث العام في الدراسات المتخصصة ليصبح أقرب إلى الاستطلاع الأولي.
وتذهب ريم بنت جمعة الهاشمية إلى أن "عصر محركات البحث التقليدية انتهى"، وحلّ مكانه عصر "محركات الإجابة"، إذ أصبح الطالب يكتب أوامر دقيقة بدل الكلمات المفتاحية. وتشير أيضًا إلى تحول الإدارة التعليمية من (المنع) إلى (التقنين)؛ إدراكًا بأن التقنية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العملية التعليمية.
المحور الثالث
منافسة أم تكامل؟ المكتبة بوصفها كائنا ينمو
يستحضر نائب مدير المكتبة مقولة عالم المكتبات (S. R. Ranganathan): "المكتبة كائن ينمو". فالمكتبة، التي بدأت من الألواح الطينية والبردي والورق، ثم الطباعة والحاسوب والإنترنت، تدخل اليوم مرحلة الذكاء الاصطناعي بوصفها حلقة جديدة في مسار تطوري لا يعني الزوال.
أما الدكتورة طيبة الرواحي فترى العلاقة تكاملية لا تنافسية؛ لكنها تحذر من أن عدم مواكبة التطور قد يجعل المكتبة مهددة بالتراجع. في حين، تؤكد رقية الفارسية أن الرهان الحقيقي اليوم هو "التحول الذكي للمكتبات، لا بقاؤها كما هي".
وتذهب ريم الهاشمية أبعد من ذلك، معتبرة أن المكتبات تعيش صراعًا وجوديًا حقيقيًا، مع انحسار بعض المهام التقليدية، وظهور مهام جديدة مرتبطة بإدارة البيانات الضخمة، وأرشفة المحتوى، وحمايته من التزييف والفبركة.
المحور الرابع
كيف تمس الثورة الرقمية دور المكتبة وخدماتها؟
يرى المشاركون أن التغير في أسلوب البحث يؤثر مباشرة في وظيفة المكتبة، ما يفرض عليها تطوير خدماتها لتشمل:
-
دورات في مهارات البحث العلمي
-
تدريبًا على أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي
-
التحقق من المعلومات
-
دمج أدوات ذكية داخل أنظمة البحث
ويؤكد الحسيني أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم عمليات التزويد والفهرسة والتنظيم والخدمات المرجعية، بل وإعداد التقارير ودراسات المستفيدين والتخطيط.
في الوقت ذاته، بدأت قواعد البيانات الأكاديمية بدمج أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة، من بينها:
-
ScienceDirect
-
Scopus
-
JSTOR
-
EBSCO
وتقدم بعض هذه المنصات ميزات تحليلية ذكية تقلل الوقت المستغرق في مراجعة الأدبيات العلمية.
المحور الخامس
موقف أعضاء هيئة التدريس: بين الدعم والتحذير
يشدد الدكتور عبد الرحمن أبو عوده على أهمية تشجيع الطلبة لاستخدام المكتبة؛ بوصفها منبعًا لبناء المعرفة الذاتية. ويرى أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة مهمة إذا استُخدمت بوعي؛ لكنه يحذر من الاعتماد الكلي عليه؛ لما قد يسببه من إضعاف لمهارات التفكير والتحليل.
أما رقية الفارسية فتصف الذكاء الاصطناعي بأنه "مساعد خطير"؛ أي يعد هائل القوة؛ لكنه -في الوقت نفسه- يحمل مخاطر حقيقية إذا غاب الوعي في استخدامه. وتؤكد أن الخيار في تحويله إلى مساعد أو بديل هو خيار بشري، لا حتمية تكنولوجية.

المحور السادس
رؤية الطلبة: مكتبة جديدة لزمن جديد
لم يعد الطالب يريد مكتبة صامتة فقط، بل مركزًا معرفيًا نابضًا بالحياة.
تشير آراء الطلبة – ميساء المعمرية، وطيف البرطمانية، وفوزية الغيلانية، وأمانة الغافرية، ونوار المعمرية – إلى تطلعات تشمل:
-
مساحات مرنة للدراسة الجماعية
-
غرف عازلة للصوت
-
إنترنت سريع
-
ساعات عمل ممتدة
-
دعم بحثي شخصي
-
كتب إلكترونية وأجهزة بحث ذكية
-
تطبيق إلكتروني للحجز والمتابعة
-
معامل ابتكار مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد وتقنيات الواقع الافتراضي
وترى طيف البرطماني أن العناصر الثلاثة – الخدمات الرقمية، وساعات العمل الأطول، والدعم البحثي الشخصي – يجب أن تكون استراتيجية متكاملة لا منفصلة.
من مكان كتب... إلى مركز معرفة ذكي
أما التحول المنشود فيتجاوز الشكل إلى الفلسفة:
-
من رفوف إلى مختبر أفكار
-
من خدمة تقليدية إلى تجربة شخصية
-
من أمين مكتبة إلى مهندس معرفة
-
من فهرسة جامدة إلى نظام بيئي ذكي
وتجمع الآراء على أن هذا التحول يتطلب رؤية جريئة، واستثمارًا في الإنسان قبل التقنية، وإيمانًا بأن المكتبة ليست مبنىً، بل بنية تحتية للوعي.
الرهان على الإنسان
في نهاية هذا الاستطلاع، يتضح أن المسألة ليست صراعًا بين مكتبة وذكاء اصطناعي، بل إعادة توزيع للأدوار. فالذكاء الاصطناعي يمنح السرعة، والمكتبة تمنح العمق.
وإذا كان المستقبل – كما يقول الحسيني – "أفضل بما منحه الله للإنسان من فكر وقدرة على التطوير"، فإن المكتبة التي تتبنى التحول بوعي ستظل قلبًا نابضًا للمؤسسة الأكاديمية، لا مجرد شاهد على تغير الأزمنة.
والسؤال إذًا لا يكون: هل تختفي المكتبة؟ بل: كيف تعيد تعريف نفسها في عصر الخوارزميات؟