ما وراء اللسان واللهجة... مشاهد اندماج إنساني مع اللغة
طلبة "الضاد" يروون حكايتهم مع العربية في جامعة نزوى
الطلبة:
اللهجة العُمانية أقرب إلى الفصحى مقارنة بلهجات عربية أخرى
من هيبة لغة الضاد إلى دفء الضيافة العُمانية
لغة تُغيّر الصورة وتبني الهوية
العربية ليست كتابًا... إنها حياة تُعاش
استطلاع: محمد الإسماعيلي
لم يكن تعلّم اللغة العربية بالنسبة للطلبة الناطقين بغيرها مجرد اختيار أكاديمي عابر، بل كان خطوة واعية نحو تجربة ثقافية وإنسانية متكاملة. ومن طريق استطلاع أُجري مع عدد من الطلبة القادمين من روسيا وبيلاروسيا وأذربيجان، تتكشف ملامح تجربة تتجاوز حدود القاعة الدراسية، لتلامس الهوية والرؤية والمستقبل المهني.
وفي أروقة معهد الضاد لتعليم العربية للناطقين بغيرها في جامعة نزوى، لا تُدرَّس العربية بوصفها نظامًا نحويًا فحسب، بل بوصفها تجربة حياة. ومن خلال شهادات الطلبة الدارسين في هذا البرنامج، يتشكل أمامنا مشهد إنساني وثقافي غني يكشف عن دوافع التعلّم، وصعوباته، وتحول الصورة الذهنية، وأثر اللغة في الهوية والمستقبل المهني.
دوافع تبدأ بالحلم... وتنتهي بالثقة
تتنوع دوافع الطلبة بين المهني والثقافي والشخصي. الطالبة أمينة التحقت بالبرنامج وهي تحمل هدفًا واضحًا: أن تصبح معلمة للغة العربية في روسيا. تقول بثقة متزايدة بعد انتهاء تجربتها: "أدركت أنني أستطيع تحقيق النجاح في هذا المجال".
أما توركاي، فكان دافعها فهم الثقافة الإسلامية والعربية بعمق أكبر، بينما رأى فيودر في البرنامج فرصة لممارسة اللغة في بيئتها الطبيعية، وصقل مهاراته الأربع تحت إشراف متخصصين.
في المقابل، عبّرت باتريسيا عن بُعد جمالي وشغف شخصي بقولها: "أدركتُ أن اللغة ليست مجرد كتاب، بل هي تفاعلٌ في الحياة الواقعية". هكذا يتضح أن العربية بالنسبة لهؤلاء الطلبة ليست مادة دراسية فحسب، بل مشروع حياة أو أفقًا مهنيًا أو شغفًا ثقافيًا.
اللغة في الميدان... حين تتحول المفردات إلى مواقف
لم يقتصر التعلم على القاعات الدراسية؛ فقد لعبت الأنشطة التطبيقية دورًا محوريًا في ربط اللغة بالحياة اليومية. الجولات في نزوى ومسقط، والزيارات الثقافية، وتجارب الطهي، والتفاعل مع المجتمع المحلي، كلها جعلت اللغة تنبض خارج الكتب. تقول باتريسيا: "الكلمات التي تعلمتها من الكتب وجدت مكانها في حياتنا اليومية"
ويشير فيودر إلى أن هذه الأنشطة مكّنته من تعلم مفردات الحياة اليومية في سياقها الطبيعي، مؤكدًا أن الاحتكاك المباشر هو ما منح اللغة معناها الحقيقي.
هذه التجربة الميدانية أسهمت في كسر رهبة الحديث، وحوّلت الخوف من الخطأ إلى رغبة في التواصل.
صعوبات الطريق... النحو واللهجة وحاجز الجرأة
.jpg)
رغم الحماس، لم تخلُ التجربة من تحديات. تشير توركاي إلى أن النحو العربي والكتابة بالخط العربي شكّلا أبرز الصعوبات، إلى جانب فهم اللهجات المحلية. أما فيودر فتوقف عند تفاصيل أدق، مثل صعوبة النطق ببعض الأصوات العربية، وبناء الجملة بأسلوب سليم، وفهم الاستعارات.
ويصف موقفًا شخصيًا في المطار واجه فيه صعوبة في التعبير عن موقف قانوني، مؤكدًا أن اللغة الأكاديمية تختلف عن لغة المواقف اليومية الطارئة.
تلخص باتريسيا من جهتها التحدي الأكبر بقولها: "كان أكبر مخاوفي عدم فهم الكلام، فهم يتحدثون بسرعة وبلكنة عُمانية مميزة". غير أن جميع الطلبة أجمعوا على أن الدعم الأكاديمي، وصبر الأساتذة، والتصحيح اللطيف، كانت عوامل حاسمة في تجاوز هذه الصعوبات.
الفصحى أم اللهجة؟ تكامل لا تنافس
كشفت التجربة أن الفصحى ظلت الأساس في التعلّم؛ لكنها لم تكن كافية وحدها للاندماج الاجتماعي.
وقد أصبح فهم اللهجة العُمانية ضرورة للتواصل اليومي، خاصة في الأسواق والمستشفيات والمطاعم؛ إذ يرى بعض الطلبة أن اللهجة العُمانية أقرب إلى الفصحى مقارنة بلهجات عربية أخرى؛ مما سهّل عملية الانتقال بين المستويين. وهكذا بدت الازدواجية اللغوية في العربية تجربة عملية يتعلمها الطالب في الشارع كما يتعلمها في الصف.
تحوّل الصورة الذهنية... من فكرة إلى واقع حي
ربما كان التحول الأعمق في نظرة الطلبة إلى المجتمع العربي. فبينما جاء بعضهم بتصورات عامة أو مبهمة، غادروا وهم يحملون تجربة إنسانية مباشرة.
تقول ليزا: "لم أعد أرى المجتمع العربي كصورة نمطية، بل بوصفه مجتمعا حيويا يتشارك قيماً إنسانية عميقة". أما فيودر فيصف المجتمع الذي عاش فيه بأنه "عالم حي حيث الضيافة التقليدية منسوجة في نسيج الحياة العصرية".
في حين، تؤكد باتريسيا: "وصلتُ بتوقعاتٍ مبهمة؛ لكنني أغادر الآن وأنا أشعر وكأنني في بيتي"؛ فكرم الضيافة، روح التعاون، الاعتزاز بالهوية، والتوازن بين الحداثة والتقاليد؛ كلها عناصر شكّلت صورة جديدة أكثر واقعية وعمقًا.
اللغة والهوية... أثر يتجاوز المهارة
لم تعد العربية بالنسبة لهؤلاء الطلبة مجرد مهارة مكتسبة، بل تحولت إلى تجربة تمسّ الذات.
يقول فيودر: "اللغة تنفتح حقًا فقط في التواصل الحقيقي".
في حين تؤكد باتريسيا أنها ستحمل معها "شعور الهدوء والاحترام والانفتاح" الذي عاشته في عُمان. وهنا تتجلى اللغة كجسر إنساني، وأداة لإعادة تشكيل الوعي الثقافي، لا أداة تواصل فحسب.
العربية وسوق العمل... رصيد استراتيجي
البعد المهني كان حاضرًا بقوة في شهادات الطلبة. فبين من يطمح إلى تدريس العربية، ومن يسعى للعمل في بيئة عربية، ومن يرى في إتقانها ميزة تنافسية في مجاله، تتأكد مكانة العربية لغة ذات امتدادين حضاري واقتصادي متنامٍ.
رسائل إلى الراغبين في تعلّم العربية
في ختام الاستطلاع، وجّه الطلبة رسائل واضحة إلى كل من يفكر في خوض التجربة، من جملتها: لا تخشوا صعوبة البداية؛ فالممارسة تصنع الفارق. وتحدثوا مع الناس قدر الإمكان؛ فاللغة تُكتسب في الحياة اليومية. ولا تخافوا من الخطأ؛ فكل خطأ خطوة نحو الطلاقة. والعربية ليست بعيدة؛ إذ إنها مفتاح لفهم ثقافة عميقة وبناء جسور حقيقية.
قراءة فكرية في تجربة تعلّم العربية: من اللغة إلى الوعي
تكشف شهادات الطلبة أن تعليم العربية للناطقين بغيرها لا يمكن أن يُختزل في إتقان قواعد أو حفظ مفردات، بل هو مشروع تكامل بين مستويين لغويين ووظيفتين حضاريتين. فالفصحى تمثل الإطار الثقافي الجامع، والوعاء المعرفي الذي يحمل التراث والنصوص والهوية المشتركة؛ في حين تمثل اللهجة أداة العبور إلى المجتمع، ومفتاح الاندماج في تفاصيل الحياة اليومية. ليست المسألة إذن صراعًا بين مستويين، بل تكاملٌ وظيفيٌّ يضع كل مستوى في سياقه الطبيعي: الفصحى تبني الأساس، واللهجة تمنح الفاعلية الاجتماعية.
هذا التكامل هو ما جعل التجربة التعليمية تتجاوز حدود القاعة الدراسية. حين انتقلت اللغة من الكتاب إلى السوق، ومن التمرين إلى الموقف الحي، تحوّل الخوف إلى دهشة، والرهبة إلى ألفة. الكلمات لم تعد وحدات لغوية جامدة، بل صارت أدوات تواصل حقيقية تحمل ابتسامة بائع، أو دعوة قهوة، أو حوارًا عابرًا في شارع من شوارع سلطنة عُمان.
تجربة العيش... إعادة تشكيل للوعي
العيش في سلطنة عُمان لم يكن إقامة مؤقتة بقدر ما كان اختبارًا ثقافيًا عميقًا. في هذا السياق، لم يتعرّف الطلبة على مفردات جديدة فحسب، بل اختبروا منظومة قيم كاملة: الضيافة، والانفتاح، وروح المساعدة، والانسجام بين الحداثة والتقاليد. هذه العناصر لم تُدرّس نظريًا، بل عيشت واقعًا يوميًا.
ومن هنا تحولت اللغة من وسيلة تواصل إلى عنصر في بناء الذات؛ إذ لم يعد الطالب (متعلمًا أجنبيًا) يراقب الثقافة من الخارج فحسب، بل صار فاعلًا ثقافيًا عابرًا للحدود، قادرًا على تمثّل التجربة ونقلها وإعادة إنتاجها في سياقات أخرى. اللغة هنا تؤدي وظيفة صناعة الهوية، إذ تعيد صياغة علاقة الفرد بالعالم وبالآخر.
أفق مهني يتّسع

أما البعد المهني فبرز بوصفه نتيجة طبيعية لهذا التحول؛ إذ إنّ بعض الطلبة يخططون لتدريس العربية، وآخرين يرون فيها أداة للعمل أو مدخلًا للإقامة في بلد عربي. وفي عالم تتعاظم فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية مع المنطقة العربية، تكتسب العربية بعدًا استراتيجيًا في مجالات الدبلوماسية، والتعليم، والأعمال، والترجمة.
إنها لم تعد خيارًا ثقافيًا فحسب، بل استثمارًا معرفيًا طويل الأمد، يعزز الحضور المهني، ويمنح صاحبه ميزة تنافسية في فضاء دولي متغير.
البعد التربوي... كسر حاجز الخوف
تُظهر التجربة كذلك أن النجاح في تعليم اللغة لا يعتمد على المنهج وحده، بل على البيئة النفسية والتربوية الداعمة. فالصبر، والتصحيح اللطيف، وخلق مناخ آمن للتجربة والخطأ، كلها عناصر أساسية في كسر الحاجز النفسي الذي يسبق غالبًا الحاجز اللغوي. وهذا البعد الإنساني يغيب أحيانًا عن التحليل اللغوي البحت، رغم كونه شرطًا لنجاح العملية التعليمية.
رسائل إلى الراغبين في تعلّم العربية
من واقع تجربتهم، يوجه الطلبة رسائل واضحة: لا تخافوا من صعوبة البداية؛ فالممارسة اليومية تختصر الطريق. واللغة تُكتسب في السوق كما تُكتسب في الصف. ولا تكتفوا بالكتاب؛ تحدثوا، اخطئوا، وابتسموا. والعربية ليست لغة بعيدة، بل مفتاح للقلوب قبل أن تكون مفتاحًا للجمل والتراكيب.
خلاصة
تكشف تجربة طلبة معهد الضاد لتعليم العربية للناطقين بغيرها في جامعة نزوى أن تعلّم العربية في بيئتها الأصلية لا يُختزل في كونه تحصيلًا لغويًا، بل هو تجربة حضارية مركّبة، تمتزج فيها الأبعاد اللغوية والثقافية والإنسانية في آنٍ واحد؛ إذ أعادت هذه التجربة تشكيل الصورة الذهنية عن العالم العربي، وبنت جسورًا إنسانية حيّة، وفتحت أمام الطلبة آفاقًا مهنية أوسع. لقد دخلوا البرنامج بحثًا عن لغة يتقنونها، وخرجوا منه وهم يحملون رؤية أعمق للعالم العربي، وثقة أكبر بأنفسهم، وقناعة راسخة بأن العربية ليست مجرد كلمات تُتعلّم، بل حياة تُعاش وبيتًا آخر يمكن أن نسكنه.