السنة 26 العدد 197
2026/02/16

"إشراقة" تفتح ملف التكنولوجيا في الحرم الجامعي

بين تسهيل التعلّم وتحديات التركيز والصحة النفسية



الجامعة في زمن الشاشة

من القاعة إلى المنصة… تحوّل المشهد التعليمي

التكنولوجيا بين التمكين والاستنزاف

العقل الرقمي: هل تغيّرت طريقة تفكير الطالب؟

حين تصبح الإشعارات منافسًا للمحاضرة!

ثقافة التعلّم السريع… مكسب أم اختزال للمعرفة؟

 

تحقيق: عبدالله الراشدي

 

لم تعد التكنولوجيا في البيئة الجامعية مجرد وسيلة مساندة، بل أصبحت عنصرًا بنيويًا في تشكيل التجربة التعليمية ذاتها. فمنصات التعلّم الإلكتروني، والاختبارات الرقمية، والعروض المرئية، وتطبيقات التواصل، كلها أعادت تعريف العلاقة بين الطالب والمعرفة، وبين الأستاذ والقاعة الدراسية. غير أن هذا التحول، على اتساعه، لا يخلو من أسئلة مقلقة عن التركيز، والصحة النفسية، وحدود الاستخدام.

وفي ظل تسارع التحولات الرقمية، ظهرت دراسات حديثة تتحدث عن ظواهر مثل "عفن الدماغ"، في إشارة إلى التأثيرات السلبية المحتملة للاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في الانتباه والتركيز. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل أسهمت التكنولوجيا في الارتقاء بالتعليم الجامعي، أم أنها أوجدت تحديات جديدة تتطلب وعيًا مضاعفًا؟

في هذا السياق، أجرت "إشراقة" استطلاعًا لآراء طلبة من جامعة نزوى وجامعة السلطان قابوس؛ لِرصد انعكاسات التكنولوجيا على تحصيلهم العلمي وصحتهم النفسية، بين من يراها فرصة، ومن يتعامل معها بحذر.

 

التكنولوجيا… سلاح ذو حدّين

ترى سُندس المعمرية، طالبة بجامعة نزوى، أن التكنولوجيا "سلاح ذو حدّين"، مؤكدة أن أثرها يرتبط بوعي المستخدم وقدرته على توظيفها بشكل صحيح. فبينما تسهم الوسائل الحديثة في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتنظيم المهام، فإن الإفراط في استخدامها قد يفضي إلى إشكاليات دراسية ونفسية.

ويؤكد يوسف المنذري، طالب بجامعة السلطان قابوس، الفكرة ذاتها، مشيرًا إلى أن الحكم على التكنولوجيا لا يمكن أن يكون مطلقًا؛ فطريقة الاستخدام هي الفاصل الحقيقي بين الفائدة والضرر.

هذا التوازن في الطرح يعكس وعيًا متناميًا لدى الطلبة بأن التكنولوجيا ليست عاملًا خارجيًا مفروضًا، بل أداة يمكن تطويعها على وفق أولويات الفرد وانضباطه الذاتي.

 

التعليم عن بُعد… مرونة أم فجوة تواصل؟

مع إدخال التعليم عن بُعد ضمن المنظومة التعليمية، برزت تحولات واضحة في طرق التعلّم. تسنيم البحرية، طالبة بجامعة نزوى، ترى أن هذا النمط عزز الاعتماد على النفس وشجّع على التعلّم الذاتي، ووسّع استخدام العروض المرئية والوسائط الرقمية.

أما أسعد المزروعي، طالب بجامعة السلطان قابوس، فيشير إلى أن الاختبارات الإلكترونية والمهام عبر المنصات الرقمية أسهمت في تطوير مهارات البحث الرقمي والمهارات التقنية، ووفرت مرونة زمنية ومكانية لم تكن متاحة من قبل.

غير أن الصورة ليست أحادية؛ إذ إنّ بدر العويمري يرى أن الجمع بين التعليم التقليدي والإلكتروني هو الخيار الأمثل، فالتعليم عن بُعد يمنح مرونة في الوصول إلى المعلومات؛ لكنه لا يغني عن التفاعل المباشر داخل القاعة الدراسية. ويضيف أن ضعف الإنترنت، وقلة التفاعل اللحظي، قد يشكلان عائقًا أمام الفهم العميق.

يميل يوسف المنذري بدوره إلى تفضيل التعليم التقليدي، معتبرًا أن التفاعل الواقعي مع الأستاذ يمنح المعلم قدرة أكبر على تشخيص مستوى الطالب، ويمنح الطالب مساحة أوسع للنقاش المباشر.

 

التحصيل والتركيز… بين الشاشة والكتاب

يُجمع عدد من الطلبة على أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تشتت الانتباه، فَالإشعارات المتواصلة، والتنقل السريع بين التطبيقات، قد يضعف القدرة على التركيز لفترات طويلة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأداء الأكاديمي.

وتشير بعض الآراء إلى أن الضغط الأكاديمي، حين يتقاطع مع الاستخدام المكثف للتكنولوجيا، قد يرفع من مستويات التوتر والقلق، ويجعل الطالب في حالة استجابة دائمة للمؤثرات الرقمية.

 

التأثير النفسي… القلق في العصر الرقمي

تذكار الجهورية، طالبة بجامعة نزوى، تصف وسائل التواصل الاجتماعي بأنها "مستنقع" إذا لم يُحسن استخدامها، مؤكدة أن كثرة التعرض لأفكار متضاربة وأخبار سلبية قد يخلق اضطرابًا فكريًا ونفسيًا.

في المقابل، يرى يوسف المنذري أن التأثير النفسي يختلف من شخص لآخر، موضحًا أن تقليل متابعة المحتوى السلبي يسهم في الحد من التأثيرات غير المرغوبة.

أما سُندس المعمرية فتؤكد أن الضغط المستمر للحضور الرقمي والاستجابة الفورية للتنبيهات قد يرفع مستويات القلق والإجهاد، وهو ما تؤيده إخلاص القنوبية، مشيرة إلى أن كثرة الإشعارات قد تقلل من جودة التواصل الواقعي.

 

استراتيجيات المواجهة… نحو توازن رقمي

 

وفي مواجهة هذه التحديات، تبنى الطلبة استراتيجيات متعددة، ومثال ذلك، تؤكد تذكار الجهورية أهمية تحديد أوقات لاستخدام الهاتف، والابتعاد عنه قبل النوم وعند الاستيقاظ، إضافة إلى التمسك بالمبادئ الشخصية وعدم الانجرار خلف كل ما يُنشر.

أما أسعد المزروعي، فيتحدث عن "تنقية رقمية" يومية أو أسبوعية، من طريق إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتخصيص أوقات محددة للاستخدام، وتوظيف التكنولوجيا في أنشطة تعليمية مفيدة بدلًا من التصفح العشوائي، إلى جانب تعزيز الأنشطة الواقعية كالرياضة واللقاءات الاجتماعية.

 

 

بين الإمكانات والتحديات… أين يقف الطالب؟

في المجمل، تكشف آراء الطلبة أن التكنولوجيا قوة فاعلة في تطوير التعليم الجامعي؛ لكنها في الوقت ذاته تفرض مسؤولية مضاعفة على المستخدم. فهي تتيح الوصول الفوري إلى المعرفة، وتنمّي مهارات رقمية ضرورية؛ غير أنّها قد تتحول إلى مصدر تشتت وقلق إن غاب الوعي.

والتحدي الحقيقي، مثلما يعكسه هذا التحقيق، لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية إدارتها. فالطالب المعاصر لا يستطيع الانفصال عن العالم الرقمي؛ لكنه مطالب بأن يعيد ترتيب أولوياته، ويستخدم التقنية أداة للتمكين لا بديلًا عن التفاعل الإنساني.

وبين الشاشة والكتاب، وبين القاعة والمنصة، تبقى المعادلة الأصعب هي تحقيق التوازن؛ توازنٌ يجعل من التكنولوجيا وسيلة ارتقاء، لا عبئًا يثقل الذهن ويبدد التركيز.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة