السنة 26 العدد 197
2026/02/16

البوصلة القرآنية والتأسيس المعرفي في التعليم الجامعي

 

 

ليس التحدّي الأكبر أمام الطالب اليوم هو صعوبة التعلّم، بل كيف يحافظ على بوصلته وهو يتعلّم.

 

في واقعٍ تتعدّد فيه المسارات التعليمية وتتنوّع فيه مصادر المعرفة، تبرز الحاجة إلى مرجعية تضبط الاتجاه العام للطالب، لا من حيث التخصص فقط، بل من حيث بناء الإنسان ووعيه وسلوكه. ويقدّم القرآن الكريم نفسه بوصفه إطارًا هاديًا يوجّه الإنسان نحو المسار الأقوم في حياته ومعرفته، ويمنحه معيارًا ثابتًا للاتجاه وسط تعدد الخيارات.

﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾  (الإسراء: 9)

 

القرآن لا ينافس العلوم في تفاصيلها، ولا يحلّ محلّ التخصصات الأكاديمية، لكنه يؤسّس لها من حيث الرؤية والقيم والغاية. فهو يضع إطارًا معرفيًا وأخلاقيًا تنتظم داخله المعارف المختلفة، ويمنحها بعدًا إنسانيًا يحفظ توازن الطالب في أثناء تعلّمه وسعيه.

 

ومن هذا المنطلق، لا يكون التحدي في تحصيل المعرفة بحد ذاته، بل في كيفية توجيهها توجيهًا رشيدًا، يربط بين العلم والمسؤولية، وبين الإنجاز والمعنى. فالمعرفة حين تنفصل عن مرجعيتها القيمية قد تفقد قدرتها على البناء، مهما بلغت من التقدّم.

 

ويرسّخ التصور القرآني استقلالية الوعي، ويحرّر الإنسانُ من الانقياد غير الواعي للضغوط الاجتماعية أو المعايير السائدة، ويؤكد بناء شخصية قادرة على اتخاذ القرار في ضوء القيم، لا في ضوء التقليد أو الانبهار بالكثرة.

 

ويربط هذا التصور بين المعرفة والسلوك الإنساني، بحيث لا يُنظر إلى التعليم بوصفه نشاطًا ذهنيًا مجردًا، بل عملية متكاملة تشمل بناء الإنسان أخلاقيًا ونفسيًا، وهو ما يجعل التربية عنصرًا أصيلًا في أي مشروع تعليمي فاعل.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التأسيس القرآني بوصفه إطارًا معرفيًا وتربويًا يُدرج ضمن السياق الجامعي، لا مقررا وعظيا، بل مقررا أكاديميا يُعنى بقراءة القرآن من حيث نظائره وسياقاته وأفكاره الكبرى، وعلاقته ببناء الوعي وتنظيم المعرفة. مقررٌ يهدف إلى مساعدة الطالب على فهم موقعه المعرفي والإنساني، وربط تخصصه الأكاديمي بمنظومة قيمية واضحة، دون أن يتعارض ذلك مع طبيعة التخصصات المختلفة أو استقلالها العلمي.

 

في البيئة الجامعية، يواجه الطالب اختبارات لا تُقاس بالدرجات فقط: اختبار الانضباط، واختبار القيم، واختبار القدرة على التمييز بين ما ينفع وما يستهلك الوقت والجهد دون ثمرة. وهنا تظهر أهمية المرجعية؛ فالقرآن لا يقدّم للطالب أجوبة جاهزة، بل يمنحه بوصلة يعود إليها عند الحيرة، وتساعده على تنظيم أولوياته واتجاهاته.

 

إن البوصلة القرآنية، بوصفها مرجعية هداية وتنظيم، لا تلغي حرية الطالب، بل تحرّره من الفوضى. فمن جعلها منطلقًا لمساره العلمي والإنساني، لم يضلّ في زحام الخيارات، ولم يفقد نفسه وهو يسعى.

 

فحين تكون البوصلة واضحة، لا يصبح تعدد الطرق مصدر ضياع، بل مساحة اختيار واعٍ ومسؤول.

 

 

يونس بن مصبح الراشدي

طالب في كلية العلوم الصحية

جامعة نزوى

إرسال تعليق عن هذه المقالة