السنة 26 العدد 197
2026/02/16

على أعتاب الماجستير… ما لم يُروَ عن الرحلة

لم يكن الطريق سهلًا، لكن الإيمان بالحلم جعل المستحيل احتمالًا واردًا

 

 

 

أبرار بنت ناصر الغافرية

تتوالى الأحلام في داخلنا، وتتسابق الأفكار لتحقيقها، غير أن بعض الأحلام لا تكتفي بأن تُحلم، بل تُصرّ أن تُعاش بكل ما فيها من تعب وانتظار. لم أكن أبرار التي تسعى فقط إلى نهاية مشوارها الجامعي بشهادة البكالوريوس، بل كان طموحي أبعد من محطةٍ واحدة، وأوسع من لقبٍ أكاديمي.

 

في الرابع من سبتمبر 2025، وفي آخر عرضٍ لي ضمن مرحلة البكالوريوس لمقرر التدريب الميداني، وقفت عند مفترق شعورٍ متناقض: هل أغادر هذا الصرح مكتفيةً بما أنجزت، أم أبدأ مشوارًا آخر أكثر عمقًا وثقلًا؟ كان السؤال صامتًا، لكنه مُلحّ.

 

باشرت إنجاز متطلبات التسجيل في مرحلة الماجستير، غير أن الطريق لم يكن مستقيمًا كما تمنيت. تعثّرت الأمور منذ الشهر الأول؛ كنت أذهب إلى الجامعة يوميًا تقريبًا، أتنقل بين مهمةٍ وأخرى، ومقابلةٍ وأخرى، بعضها يُنجز بسلاسة، وبعضها يتطلب سلسلة طويلة من الموافقات. حضرت المحاضرات دون تسجيلٍ نهائي للمقررات، فقط كي لا أخسر الوقت ولا أفقد الأمل، وكأنني أوازن على حبلٍ مشدود بين احتمالين.

 

بعد قرابة شهرٍ، تسهّلت أهم الموافقات، وتبعتها أخرى، فبدأ المشوار يرى بصيص النور، لكنه لم يكتمل؛ إذ توقفت الإجراءات مرةً أخرى عند أحد الأقسام لسببٍ لم يكن واضحًا. هناك، وصلت إلى أكثر مراحل اليأس، شعرت بتعارضٍ حاد بين العقل والقلب: قلبٌ أنهكته كثرة المحاولات ويميل للاستسلام، وعقلٌ يُلحّ على المواصلة، ويهمس بأن خلف هذا العناء أمرًا عظيمًا، فقط إن صبرت قليلًا.

 

واصلت المسير رغم ثقل الأيام وصعوبتها، حتى جاءت الموافقة في وقتٍ لم يكن في الحسبان. في الثالث من نوفمبر، تلقيت اتصالًا يؤكد إتمام جميع الإجراءات والموافقة النهائية، كان شعورًا لا يوصف حينها. أغلقت الهاتف، وتوجهت مباشرة لأداء ركعتي شكر، ممتنة لله الذي قال لأمري: كُن، فكان بطريقة عجيبة رغم كل ما سبقها من عناء.

تساءلت حينها: كيف جاهدت هذا الطريق وحدي؟ كنت أظهر أمام أسرتي بثباتٍ مصطنع، أُطمئنهم بأن الأمر بسيط وسيجد طريقه للحل، بينما في الجهة الأخرى كانت المعاناة أكبر من أن تُختصر في كلمات. أيامٌ ثقيلة مرّت، لكن النتيجة خفّفت وطأتها جميعها.

 

اليوم، وأنا في الفصل الثاني من مرحلة الماجستير، لا تزال ذاكرة البداية حاضرة؛ قسوتها، وتقلّباتها، وكيف تحوّل المستحيل إلى واقع. ولن أقول إنني سِرت وحدي؛ فَلِدعوات الأهل أثرٌ عميق في هذا المشوار، ولطاقم الكلية – من عميدها ( د. سالم العبري)  إلى أساتذة قسم الاقتصاد – فضلٌ كبير في تشجيعي على بدء هذه المرحلة مباشرة بعد رحلة البكالوريوس، وتيسير السبل للوصول إلى ما أنا عليه اليوم.

 

ولا أنسى الأساتذة الذين كانوا مرشدين لي، لا سيما من علّمني أن أبدأ كل خطوة بتوقّع أسوأ احتمال ممكن، ثم أفضل احتمال، حتى لا أُحمّل نفسي طاقة أملٍ زائدة، ولا أنطفئ عند أول صدمة، بل أكون مستعدة للتعامل مع الواقع مهما كان.

عظيم الشكر لكل من كان سندًا في هذه الرحلة، فما دمت أسير في هذه الحياة، فأنا مجبرة على المحاولة؛ فالناجحون ليسوا من لم يفشلوا، بل أولئك الذين فشلوا مرارًا، وواصلوا… ولم يستسلموا.

 

 

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة