مكتبة مدينة التاريخ: حيث للكتب دكّان، وللمعرفة صوت
مكتبات زرتها: محمد الإسماعيلي
في الأزقة الضيقة لسوق نزوى التاريخي، حيث تتعالى نداءات الباعة، وتختلط رائحة الحلوى العُمانية بعبق اللبان والمسك، تتوارى زوايا هادئة لا يلتفت إليها إلا من ألفوا الكتاب صديقًا. هناك، بين ضجيج التجارة وسكون الفكر، تسكن الكتب، وتحرسها مكتبات عتيقة، تحفظ للمدينة ذاكرتها، وللروح غذاءها.
سوق نزوى، الذي اشتهر عبر تاريخه بخناجره الفضية وسعفه المضفور، لا تكتمل صورته إن لم نلتفت إلى بعض أركانه التي احتضنت نوافذ بيع صغيرة، يعود بعضها إلى عقود مضت، كانت – ولا تزال – تعرض كتبًا تحكي عن فكر الإنسان العُماني، وعن علمائه، وتراثه، ومدارسه الفقهية والفكرية، في صمتٍ مهيب لا يقل حضورًا عن صخب السوق.
في إحدى هذه الزوايا، تبرز (مكتبة مدينة التاريخ) بوصفها واحدة من أنشط المكتبات في سوق نزوى. يقف خلف رفوفها علي بن عبد الله بن سعيد السيفي، رجل عقد ميثاقه مع المعرفة منذ زمن، وجعل من المطبوع رفيقًا يوميًا. يحدّث زوّاره عن مكتبته التي باتت مقصدًا لطلبة العلم من مختلف ولايات سلطنة عُمان ومحافظات، وتستقبل قرّاءً وزائرين من شتى أنحاء العالم جاء من أسفارهم إلى هذا المكان العريق، ويحملهم الفضول الثقافي إلى عتبة الورق.
مكتبة مدينة التاريخ: اسمٌ يفي بمعناه
في قلب سوق نزوى العريق، حيث يتجاور التاريخ والحاضر في مشهد واحد، تقف "مكتبة مدينة التاريخ" وجهة ثقافية وسياحية مميزة. تتبوأ المكتبة موقعا حيويا بين السوق الشرقي والسوق الغربي، قبل قلعة نزوى، وتحديدًا في منطقة العقر، وعلى مقربة من سوق الصنصرة؛ مما يجعلها في صميم الحركة التجارية والثقافية التي لا تهدأ.
تنويع معرفي وأفق واسع
ينقسم محتوى المكتبة إلى قسمين رئيسين: الأول يضم الكتب السياحية العُمانية التي تسلّط الضوء على الجوانب الثقافية والجيولوجية والتاريخية لسلطنة عُمان، إلى جانب كتب عن الطيور والطبيعة العُمانية. وقد حرصت المكتبة على توفير هذه الإصدارات بلغات عالمية متعددة، من بينها الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية؛ لتخاطب الزائر بلغته، وتفتح له نافذة على المكان.
أما القسم الثاني، فيختص بالكتب العربية، ويضم طيفًا واسعًا من المعارف، يشمل كتب التفسير والحديث والعقيدة والفقه والفتاوى، إلى جانب التاريخ والسير، والتنمية الذاتية، والروايات. ويبلغ عدد العناوين المتوفرة في المكتبة ما يزيد على ستمئة عنوان، تتوزع بين التراثي والمعاصر.
الترجمة بوصفها جسرًا ثقافيًا
تحتل الكتب المترجمة مكانة محورية في (مكتبة مدينة التاريخ)، وهو أمر تفرضه طبيعة الموقع السياحي لسوق نزوى وتنوّع زوّاره. فإلى جانب الكتب الأجنبية الأصلية الموجّهة للسياح، توفّر المكتبة كتبًا مترجمة إلى العربية، لا سيما في مجالات العلاج، والتنمية، والمال، وتقدير الذات. وتحرص على تقديم ترجمات مختارة من الآداب العالمية، خصوصًا الأدب الروسي والفرنسي والإنجليزي؛ بما يثري تجربة القراءة، ويُلبي اهتمامات شرائح واسعة من القرّاء.
تطلعات، وشبكة نشر واسعة
تتعاون المكتبة مع عدد من دور النشر العُمانية، من بينها: دار الضامري، ودار الأنفال، ودار رؤى الفكرية، وجامعة القرّاء، والاستقامة، ومكتبة مسقط، وفاطمة الزهراء، والجيل الواعد، وغيرها. أما على صعيد النشر الخارجي، فيتم التعامل غالبًا عبر معارض الكتب، ولا سيما معرض مسقط الدولي ومعرض الشارقة، إذ تحصل المكتبة فيهما على كميات كبيرة من الإصدارات تكفيها عادة عاما كاملا.
ولا تضم (مكتبة مدينة التاريخ) مخطوطات نادرة، بحكم طابعها التجاري، إذ يشير صاحبها إلى أن هذا النوع من الكنوز المعرفية يتوافر في مكتبات متخصصة لا تتعامل معها المكتبة حاليًا. ومع ذلك، تحرص المكتبة على اختيار أسماء بعينها من الكتّاب، ممن يُعرفون بجودة الطرح ومواكبة اهتمامات القارئ المعاصر. ومن أبرز هؤلاء: أدهم الشرقاوي، والدكتور سالم البوسعيدي، ومحمد السيفي، وسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، إضافة إلى الخبير في التنمية البشرية روبرت كيوساكي، وفهد عامر الأحمدي، وغيرهم ممن حازوا قبولًا وانتشارًا واسعًا بين القرّاء.