الموسم الثقافي: ذاكرة التنوع وسؤال المستقبل
محمد بن علي الإسماعيلي
في تاريخ الجامعات، لا تُقاس قيمة المؤسسة بعدد مبانيها أو برامجها فحسب، بل بما تخلقه من حراك ثقافي حيّ يجعل المعرفة فعلًا متجدّدًا، ويجعل الجامعة قلبًا نابضًا في جسد المجتمع. ومن هذا المنظور، يبرز الموسم الثقافي في جامعة نزوى بوصفه تجربة معرفية متراكمة، ونصًّا مفتوحًا على التنوع والاختلاف والتجديد.
التنوع الثقافي... روح المواسم وجوهرها
منذ انطلاقته الأولى، لم يكن الموسم الثقافي في جامعة نزوى فعالية عابرة أو مناسبة احتفالية محدودة الأثر، بل كان مشروعًا ثقافيًا واعيًا يقوم على الإيمان بأن التنوع ليس ترفًا فكريًا، بل شرطٌ أساسٌ لنهضة المعرفة.
وقد شهدت المواسم تنوعًا في موضوعاتها، وضيوفها، ومقارباتها الفكرية؛ فمرّت على قضايا الهوية والتراث، والتحولات الرقمية، وسوق العمل، والسياحة المستدامة، والابتكار، وريادة الأعمال، والحوار الحضاري. هذا التنوع لم يكن مجرد تنقّل بين عناوين، إنما كان تعبيرًا عن وعي عميق بأن الثقافة كائن حي، يتغذى من التعدد، ويزدهر بالاختلاف.
قيمة علمية تُجسّر بين التخصصات
تميّزت المواسم الثقافية في جامعة نزوى بقدرتها على كسر الحواجز بين التخصصات الأكاديمية؛ ففي فضاء الموسم، يلتقي الباحث في العلوم الإنسانية بزميله في العلوم التطبيقية، ويتحاور الأكاديمي مع الممارس، والطالب مع الخبير.
أما الندوات العلمية، والمؤتمرات الدولية، وورش العمل البحثية التي احتضنتها المواسم، فقد أسهمت في إنتاج معرفة تقاطعية، لا تعترف بالحدود الصارمة بين الحقول، بل ترى في التفاعل بينها مصدرًا للإبداع والتجديد.
بعدٌ تاريخي يحفظ الذاكرة ويصنع المستقبل
يحمل الموسم الثقافي قيمة تاريخية تتجاوز زمن انعقاده. فهو أرشيف حيّ يوثّق تحولات الفكر والاهتمامات المجتمعية في سلطنة عُمان، ويعكس كيف تفاعلت الجامعة مع قضايا عصرها، واستجابت لتحدياته.
إن تتبّع عناوين المواسم عبر الأعوام، يشبه قراءة سجلّ ثقافي دقيق، نرى فيه كيف انتقلت الأسئلة من همّ الهوية إلى أسئلة المستقبل، ومن صون التراث إلى استثماره معرفيًا وتنمويًا، دون أن تنفصل الجذور عن الآفاق.
التجديد بوصفه رؤية لا شعارًا
ما يميّز تجربة جامعة نزوى هو أن التجديد في مواسمها الثقافية لم يكن شعارًا مرفوعًا، بل منهج عمل، يتجلى في مواطن عديدة، أبرزها: تجديد في أساليب الطرح، وأدوات النقاش، وإشراك الطلبة، والانفتاح على المجتمعين المحلي والدولي.
لقد تحوّل الموسم الثقافي إلى مساحة اختبار للأفكار الجديدة، ومنبر لصوت الشباب، وحاضنة للمبادرات الإبداعية؛ مما جعل الثقافة ممارسة يومية لا خطابًا نخبويًا منغلقًا.
الجامعة والمجتمع: علاقة تكامل لا انعزال
رسّخ الموسم الثقافي موقع جامعة نزوى بوصفها جامعة منفتحة على محيطها، ترى في المجتمع شريكًا لا متلقيًا فقط؛ فحضور المؤسسات والمهتمين والمثقفين من خارج أسوار الجامعة، أكسب المواسم بُعدًا اجتماعيًا حيًا، وجعل المعرفة تتداول في فضاء عام، لا في قاعات محصورة.
إن التنوع الثقافي الذي وسم تاريخ المواسم الثقافية في جامعة نزوى ليس مجرد تنوع في الفعاليات، بل هو فلسفة جامعة ترى؛ ففي الاختلاف طاقة، وفي الحوار طريقًا، وفي المعرفة مسؤولية.
ومن هنا، فإن الموسم الثقافي ليس حدثًا يُختتم بانتهاء أيامه، بل أثرًا ممتدًا في الوعي، ولبنةً في بناء جامعة تؤمن بأن الثقافة هي الذاكرة التي تحفظ، والعقل الذي يفكّر، والروح التي تتجدّد.
وبهذه الرؤية، تواصل جامعة نزوى كتابة فصلها الثقافي؛ ليكون على الدوام فصلًا يليق بتاريخها، ويستشرف مستقبلًا تتجاور فيه الأصالة والحداثة، والعلم والثقافة، والجامعة والمجتمع، في مشهد واحد متكامل.