السنة 26 العدد 196
2026/01/01

كيف نجعل العربية لغة حياة لا مناسبة سنوية؟

 

جامعة نزوى في يوم العربية العالمي: اللغة روح حضارة لا حدث عابر

 

اللغة العربية… رهانٌ حيٌّ يصنع الحاضر ويستشرف التقدّم، بين جذور الحضارة وآفاق المستقبل: لغةُ هويةٍ لا تغيب

 



حوار: أمل القرنية وشيخة العامرية

 

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يتجدّد الموعد مع اللغة العربية في يومها العالمي، ذلك اليوم الذي لا يمر بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل محطة تأمل عميق في مصير لغةٍ حملت كتاب الله، وشكّلت وعاء الحضارتين العربية والإسلامية، وأسهمت في صياغة الفكر الإنساني عبر قرون طويلة. وبهذه المناسبة، تفتح جامعة نزوى أبواب الحوار عن اللغة العربية، ماضيةً في تأكيد حضورها بوصفها لغة حيّة، قادرة على العطاء، والتجدّد، ومواكبة التحولات المعاصرة.

 

العربية… لغة العالم وهوية الإنسان

يؤكد الدكتور سليمان الحسيني أن الاحتفاء العالمي باللغة العربية يعكس مكانتها الرفيعة بين لغات العالم، ليس فقط لكونها لغة يتحدث بها ملايين البشر، بل لأنها لغة جذبت اهتمام غير الناطقين بها من باحثين ودارسين من ثقافات متعددة. ويشير إلى أن احتفال جامعة نزوى بهذه المناسبة يأتي امتدادًا طبيعيًا لهذا الحضور العالمي، وتجسيدًا لرسالة الجامعة في تعزيز قيمة اللغة العربية بوصفها جوهر الهوية وروح الحضارة.

 

ويضيف الحسيني أن تميّز اللغة العربية يظهر في كونها لغة حيّة صامدة عبر العصور، استطاعت أن تتفاعل مع متطلبات الزمن، وتنفتح على اللغات الأخرى، دون أن تفقد خصوصيتها أو عمقها التاريخي، وهو ما جعلها شريكًا فاعلًا في المشهد الثقافي والفكري العالمي.

 

 

حضور مؤسسي متجذّر

ويتجلى هذا الحضور – مثلما يوضح الحسيني – في كون العربية لغة التدريس في العديد من التخصصات بجامعة نزوى، ولغة البحث العلمي، والتواصل الإعلامي، والفعاليات الثقافية، بما يجعلها محورًا جامعًا للحراكين الأكاديمي والثقافي داخل الحرم الجامعي.

 

ويبرز في هذا السياق مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية، بوصفه أحد أهم المبادرات المؤسسية التي تعكس عمق هذا الاهتمام، إلى جانب إصدار مجلة الخليل المحكمة، ودعم الباحثين في نشر بحوثهم وطباعة مؤلفاتهم، تأكيدًا في أن خدمة اللغة العربية ليست شعارًا، بل ممارسة علمية مستمرة.

 

العربية في عصر الرقمنة… من الثبات إلى الفعل

من جهته، يرى الدكتور إبراهيم الهنائي أن الاحتفال بيوم اللغة العربية يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل الطفرة الرقمية المتسارعة، ليؤكد أن العربية ليست خارج سياق التطور، بل في قلبه. ويشدّد على أن اللغة العربية لغة دين وثقافة وعلم، وهوية يجب التمسك بها، وأنها قادرة على احتضان علوم العصر، بما فيها الذكاء الاصطناعي.

 

ويرفض الهنائي فكرة عجز العربية عن مواكبة العصر، معتبرًا أن من يروّج لهذا التصور يتجاهل تاريخًا طويلًا من العطاء العلمي والمعرفي، ويغفل حقيقة أن الغرب نفسه بات يقبل على تعلم العربية لما تحمله من ثراء لغوي وإعجاز بياني.

 

الجيل الجديد… بين التغريب واستعادة الهيبة

وفي تشخيصه لواقع اللغة لدى الشباب، يطرح الدكتور عيسى السليماني رؤية نقدية جريئة، مؤكدًا أن الأجيال الجديدة تعاني من مظاهر تغريب لغوي مبكر، إذ تُقدَّم العلوم بلغات أجنبية منذ الطفولة؛ مما خلق هيمنة لسانية أضعفت حضور العربية في الوعي اليومي.

 

ويدعو السليماني إلى استعادة هيبة اللغة العربية، بدءًا من التعليم، مرورًا بالمؤسسات، وانتهاءً بفضاءات التواصل الاجتماعي، مستلهمًا التجربة العباسية في تعريب العلوم، ومؤكدًا أن لغةً وسعت كتاب الله لا يمكن أن تعجز عن استيعاب مصطلحات العصر الرقمي.

 

 

الضاد… مرآة الهوية الوطنية

وتربط الدكتورة زوينة الغاوية بين اللغة والهوية الوطنية، مؤكدة أن العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل سِمة ثقافية ورمزا حضاريا يُميّز الإنسان العُماني. وتشير إلى أن الاحتفال بيوم اللغة العربية العالمي يُعد فعلًا ثقافيًا يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه اللغة، وترسيخ مسؤولية الاعتزاز بها داخل المجتمع الجامعي وخارجه.

 

وتؤكد أهمية الشراكات المؤسسية في دعم اللغة العربية، بوصفها حارسًا للثقافة والكينونة العربية، وجسرًا للتواصل بين الجامعات والمؤسسات والمحافل الثقافية.

 

الطلبة في قلب الفعل الثقافي

وتشير الأستاذة تذكار الجهورية إلى أن جامعة نزوى تولي الطلبة مكانة محورية في مشروعها اللغوي والثقافي؛ بتشجيعهم على البحث والإبداع، وإشراكهم في مبادرات نوعية مثل «جلالات»، ومسابقات الإبداع الأدبي، والاحتفال السنوي باليوم العالمي للغة العربية، الذي يجمع بين الجلسات العلمية، والإلقاءات الشعرية، والاحتفاء بالأعلام العُمانيين في اللغة والأدب.

 

وقد تميّز احتفال هذا العام – مثلما تُوضح – بتنوّع فعالياته، من تسليط الضوء على إرث الشيخ أحمد بن منصور البوسعيدي، إلى تدشين مسابقة إبداعية على مستوى مؤسسات التعليم العالي، في خطوة تعكس حرص الجامعة على الجمع بين الأصالة والحداثة.

 

 

استشراف المستقبل… العربية لغة حياة لا مناسبة

وفي حديثه عن المستقبل، يؤكد الدكتور محمود الدرمكي أن اللغة العربية باقية ببقاء القرآن؛ لكنها تحتاج إلى خطط وبرامج عملية لترسيخها في حياة الطلبة اليومية، عبر جعلها لغة التخاطب والمراسلات، وتحسين المقررات، وإطلاق مبادرات طلابية، وإقامة مناظرات علمية تضمن حضورها المستدام.

 

ويختم الدرمكي رسالته بتأكيد أن العربية بحر زاخر بالدرر، لا يُدرك عمقه إلا من أحسن الغوص في معانيه، مستشهدًا بقول حافظ إبراهيم:

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ… فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟

العربية… جوهر الهوية وروح الحضارة

ونقف من طريق أصوات المشاركين في هذا الحوار الموسَّع على حقيقة واحدة، هي: أن اللغة العربية ليست ماضيًا يُستدعى، بل حاضرًا يُعاش، ومستقبلًا يُصنع بالوعي والعلم والتقنية. وبين الأصالة والرقمنة، تؤكد جامعة نزوى أن العربية قادرة على أن تكون لغة علمٍ وحياةٍ وحضارة، متى ما حُمِلت بوصفها أمانة أجيال ومسؤولية وطن.

إرسال تعليق عن هذه المقالة