بناء ناجح… بتمكين حضاري (الأنموذج العُماني)
استلهام الدروس الحضارية من عهد الإمام أحمد بن سعيد
إعداد وتحرير: د. نجية بنت محمد السيابية
يمثل التاريخ العُماني رصيداً حضارياً ثرياً يستحق التأمل والقراءة العميقة، ليس بوصفه سرداً لأحداثٍ مضت، بل مصدرٌ لإلهام الهمم وبناء الشخصية وإحياء روح المبادرة. فقد استطاع العُمانيون عبر العصور، وفي مقدمتهم الأئمة والقادة المصلحون، أن يقدموا نماذج فريدة في القيادة والنهضة والصمود، تُجسّد قدرة الإنسان العُماني على تحويل التحديات إلى فرص، وصياغة مستقبل يتكئ على الثوابت ويستشرف آفاقاً أوسع.
ومن بين تلك النماذج الملهمة تبرز تجربة الإمام أحمد بن سعيد، مؤسس الدولة البوسعيدية، باعتبارها مرحلة مفصلية أعادت تشكيل البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعُمان. وتكشف هذه التجربة عن مبادئ حضارية عميقة لا تزال قابلة للتطبيق في الحاضر، مثل: وضوح الرؤية، ووحدة الصف، وحماية المصالح، والدبلوماسية الفعّالة، ورعاية العلم، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والإبداع.
إن استلهام الهمم من التاريخ العُماني ليس مجرد استعادة لذكرياتٍ مجيدة، بل دعوة لإحياء قيم القيادة والإرادة والمبادرة، وترجمتها إلى ممارسات معاصرة تصنع فرداً قوياً ومجتمعاً واعياً ودولة متقدمة.
نسعى من هذا المقال إلى استكشاف أحد أبرز النماذج القيادية في التاريخ العُماني، المتمثل في تجربة الإمام أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية؛ وذلك بتحليل المحطات التاريخية التي رافقت نشأة الدولة، واستخلاص المبادئ الحضارية التي أسهمت في ترسيخ بنيانها واستمرارها. وتنبع أهمية هذا الموضوع من كونه يمثل أنموذجاً عملياً لقيادة واعية استطاعت تحويل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى فرص لبناء دولة مستقرة، وقوية، ومؤثرة في محيطها الإقليمي.
نحاول من طريق هذا المقال المشي على وفق منهج تحليلي-استقرائي يهدف إلى فهم الأسس التي ارتكز عليها البناء السياسي والعسكري والدبلوماسي في تلك المرحلة، وربطها بمفاهيم معاصرة في القيادة، وتنمية الذات، وبناء المجتمع. ونسعى إلى تحويل الدروس التاريخية إلى مهارات قابلة للتطبيق في سياقات التنمية الحديثة، بحيث يصبح التاريخ مصدراً فعّالاً للإلهام وصياغة السياسات والبرامج التدريبية.
إن قراءة التجربة البوسعيدية في ضوء التحديات الحالية تتيح فهماً أعمق لأسئلة التمكين الحضاري، ودور القيادة الرشيدة، وأهمية الوحدة الوطنية، وتعزيز المبادرات الاستراتيجية، ورعاية العلم، وبناء الشراكات الدولية. ومن هذا المنطلق، نحاول ربط الماضي بالحاضر لإنتاج فهم جديد يمكن أن يسهم في تطوير الفرد والمؤسسة والمجتمع على حد سواء.
أولاً: ما الذي يقدمه هذا المقال؟
يهدف المقال إلى دعم القارئ الكريم لفهم المبادئ الحضارية التي قامت عليها الدولة البوسعيدية، واستلهام الدروس القيادية والتنموية من عهد الإمام أحمد بن سعيد، وتحويلها إلى مهارات عملية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية والعمل والمؤسسات.
ثانياً: أهداف المقال:
-
تحليل التجربة التاريخية للإمام أحمد بن سعيد واستخلاص جوهرها الحضاري.
-
تطبيق الدروس القيادية في نماذج عملية معاصرة.
-
تحفيز التفكير النقدي والقدرة على تحويل التاريخ إلى أدوات بناء وتنمية.
ثالثاً: محاور المقال ومهارات البناء الناجح:
المحور الأول: القيادة المؤسسة.
النقطة التاريخية:
(الإمام أحمد بن سعيد يؤسس الدولة البوسعيدية، ويتخذ الرستاق عاصمة لدولته ومقراً لحكمه).
الدروس الحضارية:
-
القيادة تبدأ برؤية.
-
الحاجة إلى مركز حكم متماسك ونقطة مركزية.
-
الاستقرار أساس أي بناء ناجح.
إن النجاح لا يتحقق صدفة ولا يقوم على رد فعل مفاجئ بقدر ما ينبع من قرارات واعية وخطوات تأسيسية مدروسة. فقد شكّل قرار الإمام أحمد بن سعيد باتخاذ الرستاق عاصمة للدولة نقطة تحول تاريخية أسهمت في بناء كيان سياسي قوي ومستقر. ويكشف هذا القرار عن أن النجاح يبدأ من اختيار الأساس الصحيح الذي يُبنى عليه المستقبل، وأن الرؤية الواضحة والإرادة الحازمة هما مفتاحا إنشاء دولة متماسكة قادرة على مواجهة التحديات. وهكذا فإن التجربة التاريخية تؤكد أن البناء الحقيقي يبدأ من خطوة استراتيجية أولى تُهيئ الانطلاقة نحو نهضة سياسية راسخة ونجاح طويل الأمد.
عليه، تأكَّدْ تمام التأكيد أن أي سعي للنجاح، يجب أن يقوم بدراسة الأساس الذي تبني عليه نجاحك، فادرسه من كل النواحي الإيجابية والسلبية. ولا تتخذ أي خطوة قبل أن تدرس الموضوع من كل الجوانب حتى تتمكن من المضي قدما لتحقيق هدفك.
فمن المهارات القيادية المستفادة من هذه الفكرة التاريخية ما يأتي:
-
مهارة التخطيط الاستراتيجي: التخطيط في اختيار مركز الدولة وانطلاق الحكم منها.
-
مهارة اتخاذ القرار: تجلت في قراره بتأسيس الدولة واتخاذ الرستاق مقراً للحكم في الوقت المناسب.
-
مهارة القيادة والتأثير: استطاع الإمام أحمد بن سعيد توحيد الناس حوله وكسب ثقتهم وولائهم.
-
الرؤية المستقبلية: امتلك رؤية واضحة لبناء دولة مستقرة ومستدامة.
المحور الثاني: توحيد الصف وبناء القوة الداخلية
النقطة التاريخية:
انتصر جيش الإمام أحمد على قوات الإمام بلعرب بن حمير اليعربي في قرية فرق بنزوى.
الدروس الحضارية:
-
لا نجاح بلا وحدة.
-
بناء التحالفات أهم من الانتصار.
-
إدارة الخلافات بحكمة.
-
الحسم العسكري والقدرة على القيادة في الميدان. إذ إننا نلاحظ انتصار جيش الإمام أحمد في قدرته على قيادة القوات بكفاءة، وحسن التنظيم والتخطيط، واتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب؛ مما أدى إلى تحقيق النصر وترسيخ نفوذه.
المحور الثالث: الدور الإقليمي وحماية المصالح
النقطة التاريخية:
إرسال الأسطول العُماني لفك الحصار الفارسي عن البصرة.
الدروس الحضارية:
-
المبادرة قوة حضارية.
-
حماية المصالح معيار قوة الدولة.
-
نصرة الأشقاء قيمة أخلاقية.
ومن هذا الحدث التاريخي، يمكن أن نستلهم مجموعة من القيم التي تعين على تحقيق القيادة الناجحة، أبرزها:
-
تحمّل المسؤولية:
تجسّد في استجابة الإمام أحمد بن سعيد لطلب النجدة، وعدم تجاهله لمعاناة الآخرين.
-
الحكمة وحسن اتخاذ القرار:
التدخل كان مدروسًا سياسيًا وعسكريًا، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ومصالح عُمان. -
الشجاعة والإقدام:
يدل إرسال الأسطول في ظروف صعبة على الجرأة والثقة بالقدرات الوطنية. -
الرؤية الاستراتيجية:
أدرك القائد أن حماية أمن الخليج والبصرة تصب في مصلحة عُمان على المدى البعيد. -
التخطيط الجيد والتنظيم:
اعتمد نجاح المهمة على قوة الأسطول والانضباط البحري. -
التعاون والتحالف:
يبرز التعاون مع الدولة العثمانية أهمية العمل المشترك لتحقيق الأهداف. -
الاستفادة من الموارد الوطنية:
الاعتماد على البحرية العُمانية القوية كونها عاملا حاسما للنجاح.
المحور الرابع: الدبلوماسية الحضارية وبناء التحالفات
النقطة التاريخية:
الاتفاقية العُمانية الهندية لمواجهة القراصنة.
الدروس الحضارية:
-
الدبلوماسية أداة حضارية.
-
التعاون الدولي يواجه الأخطار.
-
المصالح المشتركة أساس العلاقات.
فتُظهر الاتفاقية العُمانية–الهندية أن النجاح يتحقق بالتعاون، والتخطيط السليم، وحماية المصالح المشتركة، وبناء علاقات قائمة على الثقة.
المحور الخامس: العلم أساس الحضارة
النقطة التاريخية:
ازدهار بيت القرن في الرستاق زمن الإمام أحمد بن سعيد بدعم العلماء والأدباء.
الدروس الحضارية:
-
العلم قوة.
-
رعاية العلماء أساس النهضة.
-
المؤسسات العلمية تبني المستقبل.
-
الاهتمام بالعلم والمعرفة: وذلك بدعم العلماء والأدباء؛ إذ كان سببًا رئيسًا في ازدهار الفكر والثقافة.
-
الاستثمار في الإنسان: إذ إن النجاح تحقق من طريق رعاية العقول وبناء الكفاءات العلمية.
-
التخطيط الحضاري: بناء مجتمع مزدهر لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يشمل العلم والثقافة.
-
القيادة الواعي: بإدراك الإمام أحمد بن سعيد لأهمية العلماء في استقرار الدولة وتقدمها.
المحور السادس: الاستمرارية الحضارية وتطوير العاصمة
النقطة التاريخية:
انتقال الحكم للإمام سعيد، ثم اتخاذ مسقط عاصمة في عهد ابنه حمد.
الدروس الحضارية:
-
انتقال القيادة السلس يحفظ الاستقرار.
-
تطوير المراكز الاستراتيجية ضرورة.
-
المرونة في اتخاذ القرار قوة.
الخلاصة:
تُظهر تجربة الإمام أحمد بن سعيد أن الحضارة لا تُبنى بالقوة المادية فقط، بل بالقيادة الرشيدة، ووحدة المجتمع، إلى وجود المبادرات الاستراتيجية، والدبلوماسية، ورعاية العلم، وتجديد مراكز القوة المتنوعة.
وتمثل هذه المبادئ اليوم أدوات عملية لبناء الفرد والمجتمع، وتعزز أيضًا العمل المؤسسي، وهذا من شأنه خلق مجتمع قوي قادر على صناعة مستقبله بكل نجاح.