نحو تفاعلٍ عميق مع الثقافة العربيّة
ليس من قبيل الصدفة أن يطلق عميد الأدب العربي طه حسين اسم «رامتان» على منزله الذي أقام فيه منذ الخمسينيات حتى وفاته عام 1973؛ فالاسم يحيل إلى معنى الاستراحة والملتقى، وهو ما أراده طه حسين لبيته بوصفه فضاءً مفتوحًا للحوار الثقافي والضيافة الفكرية آنذاك. وتشير سوزان طه حسين في كتابها «معك» إلى أن المنزل كان مقصدًا للمستشرقين الوافدين إلى مصر للدراسة أو العمل أو السياحة، وأن ما دار فيه من أحاديث ونقاشات جعله نافذة حيّة على الثقافات الغربية، ومركزًا لتبادل الأفكار بين المتفيئين ظلاله.
ويمتد هذا الأنموذج الثقافي اليوم إلى الجامعات المعاصرة التي تشهد تفاعلًا متناميًا مع الحضارات الأخرى؛ باستضافتها طلبة دوليين ضمن برامجها الأكاديمية؛ إذ يسهم هؤلاء في إثراء الحقل المعرفي والثقافيّ الجامعيّ بما يجعل البيئة التعليمية الجامعية أكثر انفتاحًا وثراءً. ويأتي هذا المقال مثالًا على ذلك، إذ يعكس اهتمام الطالب الروسي أوليج جاغوبيروف (Oleg Dzhagopirov) بالتراث الأدبي العربي من منظور علميّ نقدي، فها هو يعرفنا في هذا المقال الذي كتبه ضمن متطلبات مقرر «المصادر الأدبية والنقدية» (فصل خريف 2025) على كتاب «الشعرية العربية في العصور الوسطى» لألكساندر بوريسوفيتش كوديلين، بما يبرز قدرة الطالب على التفاعل العميق مع الثقافة العربيّة وتعزيز الحوار الأكاديمي داخل المقرر.
د. مريم البادية
أستاذ مساعد النقد الحديث، قسم اللغة العربية
كتاب أ. ب. كوديلين "الشعرية العربية في العصور الوسطى" مصدر نقدي
الطالب: أوليج جاغوبيروف (Oleg Dzhagopirov)
ألكساندر بوريسوفيتش كوديلين (Alexander Borisovich Kudelin) – المولود عام 1944 – يُعَدّ أحد أبرز المتخصصين في الدراسات العربية في الاتحاد السوفياتي وروسيا، وهو دكتور في العلوم الفيلولوجية، وأكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم، وأستاذ في جامعة موسكو الحكومية باسم ميخائيل لومونوسوف. وتتناول أبحاثه أساسًا تاريخ الأدب العربي منذ العصور الوسطى المبكرة حتى العصر الحديث، إضافةً إلى قضايا الأدب المقارن ونظرية الأساليب الأدبية.
تبوأت دراسته "الشعرية العربية في العصور الوسطى (النصف الثاني من القرن الثامن ـ– القرن الحادي عشر الميلاديين)"، أي من القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجريين، الصادرة سنة 1983، موقعًا مهمًا في تطور العلم الروسي المتعلق بالبلاغة العربية القديمة. وترتكز منهجيته الأساسية على رفض النماذج التحليلية الأوروبّية المركزة، والسعي إلى إعادة بناء التصوّرات التي تبلورت داخل التقليد الفيلولوجي العربي في العصور الوسطى. ويسعى المؤلف بصورة منهجية إلى الكشف عن المبادئ الكامنة التي بُني عليها تلقّي الشعر الكلاسيكي بوصفه ظاهرة فنية معيارية.
أما الإطار الزمني للدراسة، من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي (القرن الثاني الهجري) إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي (القرن الخامس الهجري)، فقد حدّدته طبيعة تطوّر الفكر الفيلولوجي العربي. ويشير كوديلين إلى أنّه في هذه الفترة تظهر لأول مرة في المصادر أحكامٌ صريحة في الشعرية العربية، بينما تبلغ العناصر الأساسية لنظرية الشعر في العصور الوسطى درجة الاكتمال مع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري). ثمّ لم يكن تناول الأدب المتأخر ذي الطابع التجميعي مناسبًا في هذا السياق من الناحية المنهجية.
تتألّف بنية الكتاب من ستة فصول متكاملة. في الفصل الأول يُحلِّل الكاتب تحوّل الموقف من التراث الشعري في سياق الجدل بين «القدماء» و«المحدثين». وقد بُيّن كيف أن الأولوية الصارمة للتقليد الجاهلي أخذت تتراجع تدريجيًا لصالح مبدأ ابن قتيبة الذي أتاح شرعية الإبداع عند الشعراء الجدد شريطة الالتزام بالمعايير النوعية.
وفي الفصل الثاني تُناقَش مسألة تشكّل شخصية الشاعر الفردية. وبالاستفادة من معطيات نظرية الإبداع الشفهي الصيغي لميلمان بارّي (Milman Parry) وألبرت لورد (Albert Lord)، يتتبع المؤلف نتائج الانتقال من الشعر الشفهي إلى المكتوب، حين لم تعد شخصية الشاعر تُفهم بوصفها حاملة لتقليد جماعي، بل بوصفه صانعًا فرديًا للنص. ثمّ يبحث في الفصل الثالث مقولة المعنى (الوحدة الدلالية/الموضوع الشعري) بوصفها عنصراً بنيويًا ثابتًا داخل الكانون (القاعدة)، إذ لا تعدّ مصدرًا للابتكار الجذري بقدر ما تُعَدّ مجالًا للتفنّن في التنويع.
ويُخصَّص الفصل الرابع لتحليلات مفهوم السرقة الشعرية. ويُظهِر من طريق نقد ابن طباطبا العلوي وابن رشيق وغيرهما أنّ «السرقة» قد عُدّت أحيانًا شكلًا من أشكال التفاعل الإبداعي والمنافسة الفنية، إذا اكتسب المضمون المقتبَس نوعاً من الجودة الجديدة أو التأويل المختلف. أمّا الفصل الخامس فيعالج إشكال العلاقة بين اللفظ والمعنى، متابعًا المسار من التصورات الشكلانية المبكرة (عند الجاحظ) وصولًا إلى نظرية عبد القاهر الجرجاني، الذي قدّم من طريق مفهوم النَّظْم أنموذجًا تركيبيًّا لوحدة الشكل والمضمون.
ويأتي الفصل السادس ليقدّم الخلاصة، بمقارنة الفهم في العصور الوسطى للقانون الأدبي بمفاهيم النقد الحديث. ويُظهر كوديلين أن الكانون لدى مؤلفي تلك المرحلة لم يكن معيارًا تاريخيًا قابلًا للتغيير، بل أقرب إلى حقيقة ثابتة يُدرَك جوهرها تدريجيًا عبر الشرح والتفسير. ويُجسِّد المؤلف هذه الرؤية من خلال استعارة ابن رشيق التي شبّه فيها «القدماء» بمن وضع أساس البناء، و«المحدثين» بمن أضاف عناصره الزخرفية.
هذه الدراسة تتميّز بقدر عالٍ من الاتساق الفكري والصرامة المنهجية. وعلى الرغم من ثِقَل جهازها الاصطلاحي، فقد أصبحت مرجعًا مهمًا للأجيال الجديدة من الباحثين (مثل: أ. م. فاسيلييف، ل. أ. غوسيينوفا)، ودخلت في البرامج التعليمية في الجامعات. ورغم الطابع الافتراضي لبعض الاستنتاجات – الناجم أساسًا عن تشتّت مصادر الفترة المبكرة – لا تزال دراسة كوديلين إحدى أكثر المحاولات العلمية موثوقية في إعادة بناء الشعرية العربية في العصور الوسطى.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة أيضًا داخل التقليد الإنساني العربي؛ لأنها تبرهن على جدوى توظيف المناهج الفيلولوجية الحديثة في تحليل مفاهيم مثل البدِيع والإعجاز وغيرها من المفاهيم المفتاحية. وهكذا تسهم في دمج التراث العربي الكلاسيكي في السياق العلمي العالمي. أما خلاصة المؤلف عن الإبداع داخل حدود الكانون بوصفه شكلًا مخصوصًا من المهارة الفنية، فهي تمثل إسهامًا مهمًا في إعادة التفكير في طبيعة الأدب العربي.
وتبقى دراسة أ. ب. كوديلين عملًا راهنًا، لمستوى العمق والصرامة المنهجية التي تتسم بها في تناول الشعرية العربية في العصور الوسطى. وقد أثبت المؤلف أنّ الإبداع ضمن حدود الكانون لا يقل مهارة عمّا يتجاوزه، مقدّمًا بذلك إسهامًا ملموسًا في إعادة فهم خصوصية الأدب العربي، ومسهمًا في تجاوز الصور النمطية الأوروبّية المركز في دراسته.
قائمة المصادر والمراجع:
-
ألكساندر بوريسوفيتش كوديلين، الشعرية العربية في العصور الوسطى (النصف الثاني من القرن الثامن – القرن الحادي عشر الميلاديين)، تح: بافيل ألكسندروفيتش غرينتسر، موسكو: دار "ناوكا"، هيئة التحرير الرئيسية للأدب الشرقي، 1983.
-
ميخائيل نيكولايفيتش سوفوروف وآخرون، أدب العصور الوسطى في العالم الإسلامي: دليل تعليمي ومنهجي، سانت بطرسبرغ: المكتبة الرئاسية، 2015.
-
لالا غوسينوفا، أبو منصور الثعالبي كـمُثَمِّن للشعر العربي الكلاسيكي، باكو: معهد الدراسات الشرقية على اسم ز. م. بونياتوف التابع لأكاديمية العلوم الوطنية في أذربيجان، 2012.
-
أليكسي ميخايلوفيتش فاسيليف وآخرون، الدراسات العربية في روسيا، مجلة ملامح التحولات العالمية: السياسة، الاقتصاد، الحق، مج. 14، ع. 6، 2021. 257-296.
-
"الأكاديمي ألكسندر بوريسوفيتش كوديلين"، الأكاديمية الروسية للعلوم. 4 مارس 2024. تم الاطلاع في 28 نوفمبر 2025. https://web.archive.org/web/20240305060929/https://new.ras.ru/anniversary/akademik-kudelin-aleksandr-borisovich/.