السنة 26 العدد 196
2026/01/01

كِفاحٌ يُكتب: هوية تتشكّل بين اللغة والبحث

 

 

 كفاح بنت سعيد العدوية

 

لستُ ابنةَ اهتمامٍ واحد، ولا أسيرةَ طريقٍ مستقيمٍ بلا التفات. أنا نتاجُ أسئلةٍ كثيرة، وشغفٍ يتّسع، ومحاولاتٍ لا تخجل من التغيّر. في داخلي لغةٌ عربية لا أتعامل معها كمادةٍ دراسية، بل ككائنٍ حيّ، أُصغي إليه، وأفكّك منطقه، وأعيد بناءه كتابةً وفكرًا وبحثًا. ومعها يمشي الابتكار، لا بوصفه ترفًا حديثًا، بل حاجة عقلية ترفض الجمود، وتسعى إلى المعنى الأجدى.

 

بدأ الكفاح عندي حين أدركتُ أن المعرفة لا تُؤخذ جاهزة، وأن اللغة ليست محفوظات، بل قدرة على الفهم، والتحليل، والتأثير. من هنا، صار البحث العلمي مساحةً أُمارس فيها انضباط العقل، وأختبر فيها صدق الفكرة، وأتعلّم كيف تتحوّل الأسئلة إلى منهج، وكيف يُصاغ الفكر بميزان الدليل لا الانطباع. البحث عندي ليس ورقًا يُنجز، بل موقفٌ من الحياة: أن لا أقبل السطح، ولا أُسلّم بما لا أفهمه.

 

في مقابل العقل، تمضي الكتابة. كتابةٌ لا تهرب من العمق، ولا تتصنّع الغموض. أكتب لأن اللغة حين تُكتب تُنقّي صاحبها؛ ولأن الفكرة حين تُحاصَر بالكلمات تنضج. أكتب بأسلوبٍ يميل إلى البلاغة، لا للتجمّل، بل لأن العربية قادرة على أن تكون دقيقة وجميلة في آنٍ واحد. وفي القراءة، أعود طالبةً أبدية، أبحث عمّن يوسّع أفق السؤال، لا عمّن يقدّم الإجابة السهلة.

 

أما البحث العلمي، فقد منحني الانضباط. علّمني أن الشغف وحده لا يكفي، وأن الفكرة لا تُحترم إلا إذا سُندت بالدليل، وأن المنهج هو ما يحوّل الفضول إلى معرفة قابلة للبناء. في البحث، وجدت نفسي أكثر وعيًا، وأكثر تواضعًا أمام الحقيقة، وأكثر إصرارًا على أن يكون العقل حاضرًا في كل كتابة ورأي.

 

أما الابتكار، فهو الروح التي تربط كل ذلك. ابتكار في التفكير، في تناول القضايا، في الربط بين اللغة والواقع، وبين البحث والإنسان. أؤمن أن اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة علم، وحوار، وتنمية، إذا خرجنا بها من قوالب التلقين إلى فضاء الاستخدام الواعي.

 

هذا هو كفاحي: أن أظلّ في حالة سعي. أن أوازن بين الشغف والانضباط، وبين الجمال والفائدة، وبين الأصالة والتجديد. لا أدّعي الاكتمال، لكنني أؤمن بالاتجاه. واتجاهي واضح: عقلٌ يبحث، ولسانٌ عربيٌّ واثق، وقلمٌ لا يكتب إلا ما يراه جديرًا بأن يُقال.

 

ذلك الكفاح ليس صراعًا مع الآخرين، بل مع السكون. ومع كل خطوة، أزداد يقينًا أن الطريق الذي يُبنى بالمعرفة، ويُضاء باللغة، لا يخذل صاحبه.

 

وفي قلب كل ذلك، يقف الابتكار بوصفه موقفًا لا شعارًا؛ ابتكار في طرح الأسئلة، في ربط اللغة بالواقع، وفي الإيمان بأن العربية قادرة على أن تكون لغة فكر وبحث وتنمية، متى ما تعاملنا معها بعقل حيّ لا بعادة جامدة.

 

هذا الطريق، على هدوئه، لم يكن سهلًا. لكنه كان صادقًا. وكل خطوة فيه كانت تؤكد لي أن الكِفاح الحقيقي ليس في الوصول السريع، بل في الاستمرار الواعي. أن تكتب وأنت تؤمن بما تكتب، أن تبحث وأنت تعرف لماذا تبحث، وأن تقرأ وأنت مستعد لتتغيّر.

 

إلى كل من يشبهني في هذا المسار: لا تستصغر محاولاتك، ولا تخجل من تعدد اهتماماتك، فالتكامل يولد من التنوّع، والمعنى يُصنع بالصبر. امضِ في كفاحك المعرفي مطمئنًا؛ فالطريق الذي يُبنى باللغة، ويُصقل بالبحث، ويُضاء بالشغف، طريقٌ يستحق أن يُسلك… حتى النهاية.



 

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة