السنة 20 العدد 195
2025/12/01

في ذكرى مرور 375 عاما على تحرير مسقط ومطرح من البرتغاليين

قراءة في استراتيجية الإمام ناصر بن مرشد اليعربي لاستنزاف الاحتلال البرتغالي 

(1034-1059هـ/1624-1649م)

 

 

د. خالد بن محمد الرحبي

أستاذ زائر بقسم التربية والدراسات الإنسانية

كلية العلوم والآداب

 

 

‏حين وصف الإمام السالمي في رسالته الموجهة إلى القنصل الإنجليزي بمسقط ‏عام 1913م العمانيين بقوله: "...ولا تظن دولتكم أن أهل عمان قوم أغبياء جهلاء أعراب، لا يعرفون قانونا، ولا يحسنون عبارة، فإنهم قوم أذكياء، حلبوا الدهر شطره، وذاقوا حلوه ومره، وعرفوا دواعي الرقي والعمران وسياسات الدول وغوايلها"، كان يعي جيدا معاني تلك المفردات القوية في مبناها، الدقيقة في مضمونها، كيف لا وهو القارئ للتاريخ العماني بتفاصيله الدقيقة، وأحداثه الماثلة أمامه في كتابه (تحفة الأعيان) الذي انتهى من تأليفه قبل مدة قصيرة من كتابة تلك الرسالة.

 

‏ لا أستبعد حقيقة وهو يملي عصارة فكره على ابنه محمد (الشيبة) ليكتب رسالته تلك أنه كان يستحضر في ذهنه واحدا من أبرز المواقف التي اجتمعت فيها عمق التجربة السياسية عند العمانيين، مع حنكتهم العسكرية، ودقتهم في التخطيط، وانضباطهم في التنفيذ، حتى أثمر ذلك كله نجاحا باهرا تمثل في كسر جبروت واحدة من أعتى الإمبراطوريات الأوروبية التي اجتاحت الشرق في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وتحرير الأرض والإنسان من براثن الاحتلال الأوروبي الذي عرف لاحقا بمصطلح (الاستعمار).

 

إن التجربة العمانية في مواجهة البرتغاليين بقيادة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي حري بها أن يتوقف عندها الدارسون لقراءتها قراءة متأنية؛ ذلك لأنها مليئة بالدروس التي يمكن استخلاصها والاستفادة منها، فلم تكن تحركات الإمام ناصر بن مرشد، وتوجيهه لقادته عشوائية، بل كانت تسير على وفق خطة استراتيجية بعيدة المدى استمرت في حدود ربع قرن من الزمان، انتهت بانتصار كبير، في يوم مشهود بتاريخ 23 يناير عام 1950م، يوم حضر فيه فكر الإمام ناصر وروحه، وإن غيَّب الموت جسده قبل تحقق الإنجاز بأقل من سنة.

 

تمثل فكر الإمام ناصر في ما يمكن تسميته اليوم بالخطط الاستراتيجية بعيدة المدى، وهي في حقيقتها -وإن لم تكن تحمل هذه التسمية حينها- وإن لم تكن خططا مكتوبة على أوراق ووثائق تصل إلينا لنحللها، إلا أنه يمكن قراءتها بوضوح في واقع تحركات الجيش العماني ومساراته منذ بيعة الإمام حتى مواجهته للعدو البرتغالي، والعمل على استنزافه، حتى تحرير آخر شبر من التراب العماني، ويمكن قراءة بعض ملامح تلك الاستراتيجية فيما يأتي:

 

  • السعي لتوحيد البلاد: تنبئ تحركات جيوش الإمام ناصر بن مرشد منذ بيعته في الرستاق عام 1034هـ/1624م عن وضوح هذا الهدف في عمق فكره السياسي، وسعيه الدؤوب إليه، ومقدار التضحيات التي بذلت لتحقيقه، وقد استغرق سنوات طويلة نافت على العشر سنوات حتى تحقق، والممعن للنظر في هذا الجانب، يدرك أن أعظم نصر تحقق للإمام في هذا الجانب هو قدرته على إعادة بناء الفكر السياسي للإنسان العماني، لا سيما في جانب بناء العقيدة السياسية، وتحديد من هو العدو الذي يجب أن تسدد البنادق نحوه، ومن هو الشقيق والصديق الذي يجب أن تلتقي به القلوب وتتشابك معه الأيادي، بعد مرحلة زمنية ليست بالقصيرة مر بها المجتمع العماني، تاهت فيها بوصلة السياسيين العمانيين، وأخطأت البندقية العمانية هدفها الحقيقي، فسددت فوهاتها تجاه الأخ الشريك في الوطن، وبنجاحه في ذلك استطاع أن يوحد طاقة العمانيين جميعا في مسار واحد، وتوجيهها إلى حيث يجب أن تتوجه.

  • القضاء على الخونة: من أسس عمل كل احتلال خارجي لتوثيق مكانته في البلد التي يحتلها وتوطيد سلطانه عليها، العمل على طمس الهوية الأصلية، وإيجاد متعاونين من أهل البلد الأصليين لتحقيق أهدافه تلك في الجوانب الثقافية، والإدارية، والاقتصادية وغيرها، فيكونوا واجهة لخدمة مصالحه، وقد حسم الإمام ناصر بن مرشد مواجهة هذه المسألة بقطع دابر كل من يثبت خيانته لبني جلدته، وإصراره على العمل مع العدو ضد بلده، ومقتل مانع بن سنان -الذي تعاون كثيرا مع البرتغاليين- على يد جنود الإمام أحد الأمثلة على ذلك.

  • تفعيل أدوار العمانيين الوطنيين المقيمين تحت الاحتلال: بلا شك أن من بين من وقع تحت الاحتلال من العمانيين من كان يتوق لتحرير بلاده، لاسيما أن أضواء الحرية قد بدأت تلوح في الأفق مع تحركات الإمام ناصر بن مرشد حول مسقط ومطرح؛ لذلك كان هناك -فيما يظهر من الوثائق البرتغالية- من يبادر للتعاون مع الإمام، إذ تشير تلك الوثائق إلى نشاط ملحوظ لمن وصفتهم بـ(المارقين والخونة) في نقل الأخبار إلى الإمام، ومن ذلك ما ورد في إحداها: "... كان الشيخ قد أخبرني أننا لا نعمل في مسقط شيئا يجهله العدو… إن مسقط لا تفتقر لوجود الخونة والمارقين".

  • البحث عن موانئ بديلة: أحكم الاحتلال البرتغالي سيطرته على الموانئ الرئيسة في البلاد، التي تعد شرايين التواصل مع العالم، إلا أنه ومع حاجة البرتغاليين للنشاط التجاري واستفادتهم الاقتصادية منه، لم يحرموا العمانيين من جميع البضائع، فقد كانوا يسمحون بمرور بعضها بانتقائية شديدة، وفقا لنظام احتكاري قاس، وضرائب عالية تدر عليهم عوائد كبيرة.

 

دفع ذلك النظام الاحتكاري الظالم، إضافة إلى حاجة العمانيين الماسة للسلاح الذي تتحكم في دخوله القوة البرتغالية المسيطرة، دفع الإمام للبحث عن موانئ بديلة عبر ساحل عمان الممتد شمالا وجنوبا، التي قد تغفل عنها عين الرقيب البرتغالي الذي يتحكم في أعالي البحار، وكان من الموانئ البديلة التي ذكرتها المصادر في بداية المواجهة (ميناء الرويس) الذي استقبل شحنة أسلحة مهمة أفلتت من الرقابة رغم تتبعها من قبل البوارج البرتغالية، وتمكن الإمام لاحقا من تحرير صور ولوى وجلفار، وهي مدن ساحلية تشكل موانئ بديلة عن مينائي مسقط ومطرح الأهم اللذين ظلا بيد البرتغاليين، وتعد متنفسا تجاريا مهما تخلص العمانيين من الاحتكار من جهة، وتحرم البرتغاليين من عائدات الضرائب من جهة أخرى.

 

رفع كلفة الاحتلال: بعد أن تحررت مدن عمان عدا مسقط ومطرح اللتين أحاطهما البرتغاليون بتحصينات هائلة -بمقاييس تلك الفترة- لذا خطط الإمام لرفع كلفة ذلك الاحتلال اقتصاديا واجتماعيا ليتحول من أداة اقتصادية لصالح الدولة البرتغالية إلى عبء اقتصادي واجتماعي وعسكري عليها، وذلك بقطع سلاسل الإمداد التي يستطيع لا غنى عنها، ومنع البرتغاليين من الوصول إلى الموارد التي يحتاجون إليها للبقاء، أو لترميم التحصينات، فتذكر إحدى الوثائق البرتغالية: "مُنعنا من الوصول إلى الآبار التي نستقي منها، ... كما منعونا من إنهاء أشغال الترميم بتلك الجهة"، وكان تحرير مدينة قريات التي تشكل مصدرا للطين المحروق (الصاروج) الذي تبنى به التحصينات مشكلة أخرى لهم، إضافة إلى قطع التواصل مع المجتمع المحيط بالمدينتين حتى أصبحتا مدينتين معزولتين من جهة البر، الأمر الذي جعل التجار في مسقط ومطرح يضغطون على البرتغاليين للخروج من المدينة، والنجاة بما بقي لهم من رؤوس أموالهم قبل الخسارة، وهو ما تؤكده الوثائق البرتغالية الموجهة من التجار المقيمين في مسقط إلى القائد البرتغالي والتي جاء فيها:" ... يلتمسون من سيادتكم السماح لهم بالخروج ونقل سلعهم وسفنهم انقاذا لحياتهم".

 

كانت تلك بعض من الملامح الواضحة للاستراتيجية التي بناها الإمام ناصر بن مرشد لاستنزاف الاحتلال البرتغالي، التي كانت تضغط حلقاتها تدريجيا على المدينتين، وتضيّق الخناق على محتليها من البرتغاليين والمنتفعين من التجار، والتي كانت أساسا لكثير من النجاحات التي سهلت لاحقا إتمام النصر، إذ شهدت المدينتان نتيجة لذلك خلخلة اجتماعية ونزوح كثير من سكانها بسبب صعوبة العيش فيهما وكلفته العالية، وأصبحتا تعانيان اقتصاديا لدرجة أن إحدى الوثائق أوردت: "أن خزينة جلالة الملك لم تعد عاجزة وحسب عن تغطية مصاريف ومتطلبات تلك الحرب؛ بل لم تعد تسمح كذلك بدفع رواتب جنود حامية هذه القلعة"، وهو ما ينعكس حتما على الوضع العام للحامية العسكرية، واستعداداتها الفعلية من خلف الأسوار العالية.

فاضت روح الإمام ناصر بن مرشد إلى بارئها قبل إتمام ما بدأه، وقبل أن تقر عينه بتحرير التراب العماني كاملا من الغزاة، إلا أن خطته تلك كانت هي أساس النصر الذي أتمه خلفه وابن عمه وصهره الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي حين قاد بكفاءة عالية الهجوم الكبير على مدينة مسقط في يناير عام 1650م، الذي كان إعلانا لرفع الراية العمانية على آخر معاقل الاحتلال البرتغالي في عمان، وفتحا لعصر جديد كان للعمانيين فيه الكلمة الأعلى في المحيط الهندي.

 

 

تم الاستناد في كتابة المقال إلى:

  • Al-Salimi, Abdulrahman, and Michael Jansen, eds. Portugal in the Sea of Oman: Religion and Politics: Research on Documents. vol. 1–16. Hildesheim; Zürich; New York: Georg Olms Verlag, 2018.

  • القاسمي، سلطان بن محمد. البرتغاليون في بحر عمان: أحداث في حوليات من 1497م إلى 1757م). الشارقة: منشورات القاسمي، 2025).

إرسال تعليق عن هذه المقالة