السنة 20 العدد 195
2025/12/01

في حضرة (نُ السحّار) ... حين تُصافح الكتب قارئيها

 

 

 

زارها: محمد الإسماعيلي

 

 

في مساءٍ قاهريٍّ مُضيء بالمعنى قبل الضوء، وفي الثامن عشر من ديسمبر 2025م، يومِ الاحتفاء العالمي باللغة العربية، قادتني الخطى إلى مكتبة (نُ السحّار)؛ ذلك الفضاء الثقافي الذي لا يستقبل زائريه بوصفهم قرّاء عابرين، بل يحتفي بهم كونهم أبناء اللغة وحمَلة السؤال والمعرفة. كانت الزيارة أشبه بدخول نصٍّ حيٍّ؛ نصٍّ لا يُقرأ بالحروف وحدها، بل يُعايش بالمكان والوجوه، والرائحة الخفيفة للكتب والقهوة، والدفء الإنساني الذي يسبق أي حوار.

 

منذ العتبة الأولى، يتبدّى أن مكتبة (نُ السحّار) ليست بناءً إسمنتيًا أُلبس رفوفًا، بل فكرة ثقافية واعية، وامتدادٌ لرؤية تؤمن بأن القراءة فعل حياة، وأن اللغة العربية ليست تراثًا يُحتفى به في المناسبات فحسب، بل كائن حيٌّ يحتاج إلى فضاءات ترعاه وتُعيد تقديمه للأجيال. وقد تزامنت زيارتي مع اليوم العالمي للغة العربية، فازدانت المكتبة بسحر هذه اللغة الخالدة في إرثها الأصيل الذي صاغة هوية الإنسان وشيّد بنيانه المعرفي في شتى أمهات الكتب ومصنفات التآليف؛ لتتجلى فيما يرشفه طلبة العلم -من جنسيات متعددة- من مشارب علوم مختلفة؛ كأن العربية، في هذا اليوم، تتكلم بألسنة شتى، وتبتسم بوجوه شابة، وتستعيد ألقها خارج القاعات الرسمية.

 

الحفاوة بالزائر كانت لافتة، لا بوصفها إجراءً بروتوكوليًا، بل ثقافة أصيلة. استقبلنا القائمون على المكتبة بترحيبٍ صادق، يشعر معه الزائر أنه شريكٌ في هذا المشروع المعرفي، لا ضيفًا عابرًا: طلبة العلم، باحثون، أطفال، قرّاء لوجبات ثقافية مختلفة؛ جميعهم وجدوا مكانهم في هذا الفضاء الرحب، حيث لا تفاضل إلا بما تحمله من شغفٍ بالمعرفة.

 

أما من حيث التأسيس والتطوير، فإن مكتبة (نُ السحّار) تمثل أنموذجًا معاصرًا للمكتبة العامة، التي تجمع بين البساطة والحداثة، وبين الوظيفة الثقافية والدور المجتمعي. تأسست لتكون مكتبة مجانية مفتوحة للجميع، وتضم آلاف العناوين في حقول: اللغة والأدب، والدين، والفكر، والثقافة، والتاريخ، والعلوم الإنسانية، إلى جانب ركن خاص بالأطفال، يُدار بعناية تربوية تُنمّي حب القراءة منذ الصغر. ولم تكتفِ المكتبة بتوفير الكتاب، بل ذهبت أبعد من ذلك، فصارت منصة للورش، والندوات، والمسابقات الثقافية، ولقاءات الحوار والنقاش، في محاولة واعية لردم الفجوة بين الكتاب والواقع.

 

المبنى ذاته يكتب لغته الخاصة؛ تصميمه يجمع بين الرحابة والحميمية، حيث تتوزع القاعات بانسيابية، وتطل النوافذ على مساحة خارجية خضراء تُغري بالقراءة الصامتة أو النقاش الهادئ. إلى جانب الضوء الطبيعي، وترتيب الرفوف، وأماكن الجلوس، كلها عناصر مدروسة بعين جمالية، تجعل من المطالعة والقراءة تجربة حسية، لا مجرد فعل ذهني. في (نُ السحّار)، لا تُقرأ الكتب على عجل، بل تُمنح وقتها، كما لو أن المكان يعلّمك فضيلة التمهّل.

 

وفي جولتي، لفتني التنوّع الإنساني داخل المكتبة: طلبة من دول عربية وأجنبية ذكورا وإناثا، وباحثون يناقشون أفكارهم بهدوء، وقرّاء وجدوا في هذا المكان ملاذًا من صخب المدينة. هذا التنوّع لا يعكس فقط نجاح المكتبة في الاستقطاب، بل يؤكد أن الثقافة، حين تُدار بوعي، قادرة على جمع المختلفين حول لغة مشتركة: لغة المعرفة.

 

أما الآراء والانطباعات التي سمعتها من الزائرين فكانت متقاربة في جوهرها؛ إشادة بالتنظيم، تقدير للجهد، وإحساس بأن المكتبة تؤدي دورًا يتجاوز حدود القراءة إلى بناء مجتمع قارئ. وكثيرون رأوا فيها أنموذجًا يُحتذى، خاصة في زمن تتزاحم فيه الشاشات وتبهت فيه علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب.

 

لقد خرجت من مكتبة (نُ السحّار) وأنا أشعر أنني لم أزر مكانًا فحسب، بل شهدت فكرةً وهي تتحقق. ففي هذا الركن من القاهرة المصرية، تتصالح اللغة مع يومها العالمي، ويتحوّل الاحتفاء من شعار إلى ممارسة، ومن خطاب إلى فعل. (نُ السحّار) ليست مجرد مكتبة؛ إنها رسالة تقول، بهدوءٍ وعمق: ما يزال للكتاب مكان، وما تزال العربية قادرة على أن تجمع، وتعلّم، وتدهش.

إرسال تعليق عن هذه المقالة