بين "العبء الصامت" و"وقود الإنجاز" … تحقيق صحفي في خفايا التوتر ما قبل الامتحانات
سليمان الريامي: التوتر في بعض المواقف وقود دافع لا عدوّ، يحوّل المشاعر السلبية إلى طاقة للعمل الجاد
شمسة السعيدية: توتر ما قبل الامتحانات يبرز في إعادة تنظيم الأفكار والتحكّم في تدفّقها
ماريا العفيفية: التخطيط المسبق ووضع جدول زمني للمذاكرة المنظّمة يقلّلان القلق ويحدّان من آثاره
مروة الجابرية: عبء إدارة الوقت وتراكم المواد الدراسية يصنعان ما يُعرف بـ"التوتر الصامت" لدى الطلبة
آمال البطاشية: ارتفاع سقف التوقعات الأسرية المرتبط بالإنجازات يخلق بيئة مشحونة بالضغوط
أجرى التحقيق: نور سامي
يُعدّ التوتر جزءاً لا يتجزأ من التجربة الجامعية، خاصة مع اقتراب فترة الامتحانات التي تشكّل ضغطاً نفسياً وأكاديمياً، إذ تتراوح حدة هذه الظاهرة وأشكالها بين الطلبة، فلا تقتصر على مستوى دراسي معين. ويُعرّف التوتر بأنه حالة شائعة من القلق والضغط النفسي التي تؤثر في أداء الطلبة وتركيزهم في مختلف التخصصات وتنوّع المراحل الدراسية.
وأثبتت الدراسات العلمية أن التوتر بمستويات معتدلة قد يكون دافعاً إيجابياً، ولكن في حال الإفراط يتحول إلى توتر معوق للوظائف الإدراكية، إذ يسهم في ظهور مشاكل جسدية مثل الصداع، واضطرابات النوم، وتسارع ضربات القلب، ومشاكل الجهاز الهضمي، وصعوبة استرجاع المعلومات.
وتختلف الرؤى من منظور إلى آخر بناءً على تجارب الفرد ونظرته للأمور؛ إذ يرى بعضهم أنه شبح متشكل على هيئة مشاعر، بينما يعده آخرون استنزافاً وإرهاقاً، ويتطرق آخرون إلى كونه توتراً محفزاً. ومن تعدد وجهات النظر، يرى كل فرد أن التوتر ما قبل الامتحان يختلف في صورته عن الآخر.
"إشراقة" التقت مجموعة من الطلبة، ناقشت معهم أسباب التوتر ومسبباته ما قبل الامتحانات، والحلول المناسبة للتخفيف منه، وغيرها من الجوانب التي نعرضها معكم في هذا التحقيق.
صوت القلق: من توتر مُربك إلى قوة دافعة
يرى الطالب سليمان بن سامي الريامي أن التوتر ليس بالضرورة عدوًا، بل قد يتحول – إذا أُحسن التعامل معه – إلى أداة فعّالة لتحويل المشاعر السلبية إلى وقود للعمل الجاد. ويؤكد أن التوتر في بعض الأوقات يشكّل دافعًا حقيقيًا للشعور بجدية الاستعداد للامتحان قبل حلوله، ويحفّز على تنظيم الوقت بصرامة، والابتعاد عن المذاكرة الجماعية في اللحظات الأخيرة، مفضلًا التركيز الفردي في أجواء هادئة تساعد على صفاء الذهن.
ويقول الريامي: "التوتر سلاح ذو حدين إن لم يُتعامل معه بحكمة"، موضحًا أنه يواجهه بالبدء في المذاكرة قبل وقت كافٍ من موعد الامتحان، مع تجنّب تراكم الدروس، وتَخصيص وقت يومي لمراجعة المفاهيم الصعبة، وغالبًا ما تكون تلك المراجعات قبيل النوم أو في ساعات الفجر، إيمانًا منه بأن الاستيعاب في هذه الأوقات يكون أعمق.
وعلى خلاف الاعتقاد السائد الذي يصوّر التوتر قبل الامتحان كونها حالة سلبية يجب القضاء عليها، تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أنه ظاهرة طبيعية وضرورية للاستعداد والتركيز، وأن الحكمة لا تكمن في التخلص منه كليًا، بل في إعادة توجيه طاقته ليصبح دافعًا للإنجاز، فيما يمكن تسميته "توتر الأبطال".
من جانبها، أوضحت الطالبة شمسة بنت أحمد السعيدية (ماجستير التربية في مناهج وطرائق تدريس الرياضيات) أن التوتر قبل الامتحانات غالبًا ما يرتبط باضطراب الأفكار، مؤكدة أهمية تنظيمها واستبدال الإيجابية منها بأفكار سلبية. في حين أشارت إلى فاعلية التدريب على نماذج امتحانات سابقة، واستخدام الخرائط الذهنية لتنظيم المعلومات، بما يسهم في تسهيل المذاكرة والتقليل من حدة التوتر.
أما الطالبة ماريا بنت سليمان العفيفية (بكالوريوس تربية في اللغة العربية)، فترى أن التخطيط المسبق ووضع خطة زمنية واضحة للمذاكرة والمراجعة المنظمة يُعدان من أنجع الوسائل لتفادي القلق قبل الامتحان. وأضافت أن الاسترخاء، والنوم الكافي، وتعزيز الخطاب الإيجابي مع الذات، تلعب أدوارًا مهمة في التخفيف من التوتر، إلا أنها شددت في الوقت نفسه على أن ضيق الوقت وسوء إدارته يظلان من أبرز مسببات القلق، لا سيما حين يقترنان بالمماطلة والتسويف.

سوء إدارة الوقت… توتر صامت
تُعد العلاقة بين الطالب وفترة ما قبل الامتحانات علاقة محورية، تتأثر في كثير من الأحيان بسوء إدارة الوقت والتوتر غير المعبَّر عنه. وهو ما أشارت إليه الطالبة مروة بنت جمعة الجابرية (إدارة أعمال)، موضحة أن المرحلة الجامعية تختلف عن المراحل الدراسية السابقة؛ نظرًا لما تتطلبه من استقلالية أكبر في تنظيم الوقت وتوزيع الجهد بين المحاضرات والواجبات والاختبارات.
ومع اقتراب الامتحانات، يواجه الطالب غالبًا تحديًا مركبًا بين عبء إدارة الوقت وكثافة المواد الدراسية، الأمر الذي يولّد ما يُعرف بـ"التوتر الصامت"، وهو توتر داخلي لا يُفصح عنه الطالب صراحة. وترى الجابرية أن مرونة الجداول الدراسية وتباعد المحاضرات قد تمنح وهمًا بوجود وقت كافٍ، فيظن الطالب أن الفترات الفاصلة بين المحاضرات كافية لتجميع المعلومات لاحقًا، غير أن الضغط المعلوماتي قبيل الامتحان يكشف عكس ذلك.
التفكير المفرط وغياب التركيز
وتؤكد الجابرية أن الإدارة غير المناسبة للوقت تُعد مولّدًا رئيسا للتوتر، خاصة مع كثرة التأجيل ومتلازمة الليلة الأخيرة، وفقدان السيطرة على جدول الأعمال. ومن أبرز أعراض ذلك التفكير المفرط في الرسوب أو الإحراج بدلًا من التركيز على المذاكرة؛ مما يستنزف الطاقة الذهنية ويضعف القدرة على الاستيعاب.
كذلك إن اضطرابات النوم وسوء التغذية قد تكون مؤشرات للهروب من الواقع، وتسهم في إضعاف الجسد وتفاقم الحالة النفسية وصولًا إلى مشكلات جسدية. وأضافت الطالبة ماريا العفيفية أن انخفاض تقدير الذات ولوم النفس قد يخلقان فراغًا ذهنيًا يعوق المذاكرة ويزيد من حدة التوتر.
وفي السياق ذاته، أشارت الطالبة زكية بنت زهران السالمية (بكالوريوس تربية في اللغة الإنجليزية) إلى أهمية إدراج فترات راحة قصيرة ومنتظمة في أثناء المذاكرة، وتقسيم المهام على وفق أولويات واضحة، إلى جانب اعتماد التخطيط العكسي من طريق جدولة المتطلبات الدراسية مسبقًا لضمان اجتياز الامتحانات بشكل متوازن.
مسببات اجتماعية تزيد من حدّة الضغط
لا تقتصر مسببات التوتر على العوامل الأكاديمية فقط، بل تمتد إلى السياق الاجتماعي، إذ ترى آمال البطاشية (معلمة مجال ثانٍ وطالبة دراسات عليا) أن ارتباط إنجازات الأبناء بتوقعات الأسرة العالية قد يفرض ضغوطًا مضاعفة، خاصة عندما تتحول الإنجازات الدراسية إلى مقياس للنجاح الأسري والاجتماعي، مع توقعات بالتفوّق والتوظيف المباشر بعد التخرج.
وتتمثل هذه الضغوط في المقارنات المستمرة، والثناء العلني على الإنجازات، والإفصاح عن تطلعات الأسرة، ما قد يولّد خوفًا من خيبة الأمل، خصوصًا عندما تكون تلك التوقعات غير واقعية. أضف إلى ذلك أن ضغوط الأصدقاء وزملاء الدراسة قد تسهم بدورها في تعزيز التوتر إيجابًا أو سلبًا، نظرًا لحساسية المرحلة نفسيًا.
وأوضحت الطالبة شمسة السعيدية أن الحديث مع شخص داعم، أو ممارسة المشي في الهواء الطلق مع أصدقاء إيجابيين، يُعد وسيلة فعّالة لتحقيق التوازن النفسي، والمساعدة في إيجاد حلول عملية.
التوتر… بين العبء والدافع
يُعد الخوف من الرسوب أو الفشل، ومتلازمة السعي إلى الكمال، من أبرز العوامل النفسية التي تشعل فتيلة التوتر قبل الامتحان، إلى جانب الشعور بعدم الإلمام الكافي بالمواد الدراسية أو صعوبة استيعاب المنهج. وفي المجمل، ينبع التوتر من مزيج معقد من الضغوط الداخلية والخارجية، وتتباين النظرة إليه بين من يراه عبئًا ثقيلًا، ومن يراه حافزًا للإنجاز.
ولمواجهة هذه الظاهرة، تبرز أهمية تبنّي استراتيجيات متكاملة تشمل تنظيم الوقت، وتجنّب التسويف، والمذاكرة المستمرة، وتعزيز الثقة بالذات، والحصول على قسط كافٍ من الراحة والدعم النفسي، بحيث يكون التقدير موجّهًا للجهد المبذول لا للنتائج وحدها.
وفي نهاية المطاف، يبقى الاعتراف بوجود التوتر الخطوة الأولى نحو معالجته، إذ يسهم الوعي به في تحسين الأداء الأكاديمي، وبناء شخصية أكثر توازنًا وقدرة على التعامل مع ضغوط الحياة المستقبلية.