السنة 20 العدد 195
2025/12/01

 

قراءات طلابيّة في روايات عُمانية وعربيّة وأجنبيّة (3)

 

 

في كتابه «ست نزهات في غابة السرد» يقيم أمبرتو إيكو صلةً بين مفهوم «الغابة» وعالم السرد، ولا سيّما أنّ الرواية تقوم هذه الاستعارة على ما يتيحه النّص الروائي من عوالم تخييلية متشابكة، محكومة باستراتيجيات سردية متنوّعة، تجعل القارئ مطالبًا بتعلّم كيفيّة الدخول إلى «الغابة»، والتجوّل في مسالكها، والكشف عن مخبوءاتها، بغية تجاوز المألوف وسط فضاء بلا خرائط محدّدة، مثلما يصف إيكو.

وقد اعتاد طلبة تخصص اللغة العربية في مقررات الأدب والنقد بالجامعة أن يتجوّلوا في «غابات الرواية» العُمانية والعربية والعالمية، وأن يقدّموا أعمالًا أرى أن بعضَها يصلح أن يكون نواة لمقالات نقدية موسّعة.

يدرس هؤلاء الطلبة، في إطار مقررات النقد الحديث، مناهج نقدية متنوّعة؛ منها المنهج التاريخي، والنّفسي، والاجتماعي، إضافة إلى البنيوي والسيميائي وبعض التصوّرات التداولية وتحليل الخطاب. وتأتي هذه القراءات التي يقدّمها طلبة مقرر «مدخل إلى النقد الأدبي» (صيف 2025) بوصفها محاولات نقدية أوليّة، رأيت من المناسب تشجيعهم على نشرها.

 

د. مريم البادية

أستاذ مساعد النقد الحديث، قسم اللغة العربية

 






قراءة في رواية "الفقراء" للكاتب فيودور دوستويفسكي

 

رواية الفقراء للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي هي من أولى أعماله الأدبية، وتُعد بداية قوية لمسيرته التي عُرف فيها بقدرته على الغوص في النفس البشرية. عندما بدأت بقراءتها، شعرت كأنني أقرأ شيئًا بسيطًا في الظاهر؛ لكنه عميق جدًا من الداخل. والرواية مكتوبة على شكل رسائل بين شخصين: ماكار، الرجل الكبير الطيب الفقير، وفارفارا، الفتاة اليتيمة التي مرت بتجارب مؤلمة كثيرة منذ طفولتها.

 

ومن هذه الرسائل، نتعرف على حياة كل منهما، كيف يعيش، وما الذي يشعر به، وكيف يواجه الفقر والوحدة. ماكار كان يعمل في وظيفة بسيطة، يعيش في غرفة صغيرة بالكاد تكفيه، ويصرف ما لديه من مال على مساعدة فارفارا، التي أحبها كأنها ابنته. كان يكتب لها كلامًا دافئًا، يحاول أن يخفف عنها ويطمئنها رغم أنه كان هو نفسه محتاجًا إلى من يواسيه. شعرت وأنا أقرأ رسائله أنه رجل طيب جدًا، لكنه أيضًا ضعيف ومكسور من الداخل.

 

أما فارفارا، فقد كانت فتاة حساسة، تكتب له عن ماضيها الأليم وعن الأيام التي قضتها في الريف مع أهلها قبل أن تبدأ المصائب تنهال عليهم. أكثر شيء تأثرت به هو كيف أن الفقر لم يجعلها قاسية، بل زادها رقةً وشعورًا بالآخرين. وعندما بدأ شاب اسمه فلاديمير يدخل حياتها، ثم مات بعد أن مرض، بدأت حياتها تنقلب من جديد، وماتت بعدها أمها، فصارت وحيدة إلا من ماكار الذي بقي سندًا لها رغم ظروفه.

 

في آخر الرواية، يظهر شخص غني أرمل يُدعى بيكوف، يتقدم لخطبتها. كانت حائرة، لا تعرف هل تقبل وتغيّر حياتها، أم تبقى مع ماكار الذي يحبها ويهتم بها. لكن ماكار، رغم حزنه، شجعها على قبول الزواج؛ لأنه يرى أن هذا الأفضل لها. هذه النهاية كانت مؤلمة جدًا بالنسبة لي، لأنها تُظهر كم يمكن للفقر أن يحرم الإنسان حتى من حقه في الحب والبقاء مع من يحبهم.

 

أسلوب الرواية كان بسيطًا، لكنه عاطفي جدًا. شعرت أحيانًا أنني أقرأ شيئًا من حياتنا، من واقعنا؛ لأن المشاعر التي فيها صادقة جدًا. لم تكن هناك أحداث كثيرة أو معارك أو مفاجآت، لكن الرسائل كانت كافية لتجعل القارئ يشعر بالحزن والتعاطف مع الشخصيات.

 

في النهاية، رأيت أن الرواية تتحدث عن الفقر، ليس فقط بصفته حالة مادية، بل ألم نفسي، وشعور بالوحدة والعجز. لكن رغم ذلك، كان فيها أيضًا أمل؛ لأن الشخصيات كانت تحب وتضحي وتُحاول أن تبقى طيبة حتى وسط القسوة.

 

قراءة الطالبة: أمجاد بنت ناصر الفزارية، ضمن مقرر «مدخل إلى النقد الأدبي».

 

 



قراءة في رواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" للكاتبة بثـينة وائـل العيـسى

 

أرادت الكاتبة بثينة العيسى في رواية "عائشة تنزل إلى العالم السفلي" أن تكشف عن موضوعات عميقة مثل: الحزن والفقد، والبحث عن معنى الحياة، وبعض التساؤلات بين الحياة والموت والفلسفة، وتحمل بين صفحاتها الكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية لتجسدها في هيئة رواية.

 

جاءت الرواية لتتحدث عن امرأة تدعى "عائشة"  التي فقدت ابنها ذا الخمسة أعوام في حادث مأساوي، بسبب إهمالها له، وبعد تلك الحادثة بدأت عائشة في الغوص في أعماق الحزن واليأس والانعزال وتأنيب الضمير، وقررت بفكرة الفناء الاختياري "بمعنى الرغبة الشديدة في الموت"؛ ان تلحق بطفلها إلى عالمه، فكانت في كل ذكرى وفاة ابنها تفكر وتتخيل الفناء الاختياري بشتى الطرق وبطريقة غير مباشرة؛ ولكن كان الذي يمنعها عقيدتها ودينها، إذ كانت تريد النزول إلى العالم السفلي؛ وهذا رمز للقبر والظلام والموت وإنهاء الحياة؛ بسبب عقدة الذنب التي كانت تلاحقها طوال تلك السنين، وهنا جسدت الكاتبة الإلهة إنانا السومرية، هذه الأسطورة التي نزلت إلى العالم السفلي مثلما أرادت عائشة أيضا النزول لذلك العالم. وهنا حاولت الكاتبة بطريقة ذكية الاتجاه نحو الجانبين الفلسفي والخيالي، وربط العلاقة بين عائشة وهذه الأسطورة في كليهما بالرغبة للنزول إلى العالم السفلي.

 

مرت عائشة بالكثير من الحزن والتفكير السلبي والاكتئاب، الذي جعلها ترى أن الحياة لا طعم لها بعد فقدان ابنها؛ إذ بدأت تلازم منزلها طوال الوقت. وفي مكتبها المتواضع بغرفة نومها بدأت عائشة في الكتابة، وجعلت من الكتابة مفرًا لها عن العالم الخارجي، وحتى عن عالمها الصغير ألا وهو عالم أسرتها.

 

قالت في أولى كتاباتها أنا عائشة سأموت في غضون سبعة أيام وحتى ذلك الحين قررت أن أكتب. هذه العبارة جديرة بأن توضح وتعكس ما كانت عليه عائشة من همٍ وحزنٍ وألمٍ.

 

وفي نهاية الرواية بدأت عائشة شيئا فشيئا تتخلص وتطهر نفسها من عقدة الذنب التي كانت تلاحقها. ويعود الفضل إلى أخيها المتدين الذي كان دائما يحاول الاقتراب منها رغم قسوتها ورغبتها الشديدة في العزلة، إلا إنه لم يفقد الأمل حتى استطاع إخراجها من العالم الكئيب التي كانت غارقة فيه، وتمكنت عائشة بعد ذلك العودة إلى أسرتها وحياتها وعملها تدريجيا.

 

*تحليل رواية عائشة تنزل إلى العالم السفلي من منظوري الشخصي: الرواية تتضمن قضية اجتماعية إنسانية ونفسية، وتجربة واقعية يتعايش معها كثيرون، وعندما يقرأها بعضهم كأنه يقرأ نفسه، وخاصة في الفقد الاضطراري ومدى تأثيره في شخصية الفرد. وتناولت قضية الفناء الاختياري، وبعض التساؤلات الفلسفية عن الحياة والموت والدنيا والآخرة، ومرارة الحياة مع توظيف أسطورة إنانا السومرية. الكاتبة مزجت بين الواقع والخيال؛ مما جعل الرواية شائقة، وممتعة، ومؤثرة في آن واحد.التناص الموجود في الرواية أكسبها نوعا من القوة، والجمال وأضفى لها الكثير من التنويع والتغيير في السرد. بشكل عام الأحداث متسلسلة جدا وواضحة، حتى ولو كانت هناك بعض النصوص الأدبية الفلسفية الغامضة التي تثير التشويق والتعقيد أحيانا.إن الكاتبة تتمتع بأسلوب سردي ممتع وغير ممل، واستخدمت بعض الألفاظ والمصطلحات العامية؛ مما يجعل الرواية سهلة أكثر وقريبة من القارئ ومن الواقع.

 

*الرسالة التي أرادت الكاتبة بثينة العيسى إيصالها من هذه الرواية:

أن الفقد والحزن والمواقف الصعبة لربما تكون سببا في انخراط الإنسان بالكتابة، والكتابة مرآة لذواتنا وانعكاس لكل ما في دواخلنا، الكتابة والتأمل لربما تكون وسيلتين للشفاء والتصالح مع الحياة وتجعل الشخص يعبر بحرية وجرأة أكثر من غير خجل أو قيود.

 

والرسالة الأخيرة بهذه الرواية الحياة والموت ليست من اختيار الإنسان، إنما ملك لله تعالى، فلا يمكن لإنسان أن ينهي حياته كيف ما أراد، ومتى ما شاء، أي ليس هناك ما يسمى بالاختيار الفنائي.

 

قراءة الطالبة: جــواهـر بنت حـــمد الســـيابــية، ضمن مقرر «مدخل إلى النقد الأدبي».

 

 

قراءة في رواية "ثعالب الكهان في بلاط السلاطين" للكاتب عبدالكريم بن عوض الشهراني

 

تطرح رواية ثعالب الكهان في بلاط السلاطين للكاتب عبدالكريم بن عوض الشهراني، صراع الحق والباطل داخل أروقة السلطة، بتصوير شخصيات تُسيّرها مصالحهم بذكاء «ثعالبي»، بلغة مستوحاة من المكنة القديمة، تجسّد دور «الكهنة» في البلاط السلطاني. الأسلوب السردي يتسم بالرمزية والتحليل النفسي؛ مما يعكس ميل الكاتب على ربط السلطة بالكهانة والتلاعب الفكري.

 

اختيار اسم "ثعالب الكهان" يرمز إلى متقلّبي المواقف وأداء الأدوار الخطابية في الحضور السلطاني. ويدل الاستخدام الرمزي على محاولة الكشف عن لعب الأدوار، والتحكم عبر الإيحاءات. ويعطي استخدام الرمزية النص عمقاً موازياً، يمكّن من قراءات متعددة: سياسية، اجتماعية، نفسية.

 

تدور الحبكة في بيئة قبائلية تسيطر عليها خرافات مدمرة، إذ يعالج البطل سلطانًا مريضًا، ويكشف خيانة الكاهن، دون أن يعلم أن الدوافع ذُرعت ليدفع ثمنًا باهضا لاحقا.

نقطة التحول الرئيسة تكمن في رفض تقديم ابنة السلطان كقرابين، وهربها مع البطل، الخطوة التي تبدأ بها الشرارات نحو الصدام والتمرد.

 

يعتمد السرد بشكل كبير على الحوارات، والمواقف الرمزية، والوصف، وأقل على تتابعٍ حركي مكثف؛ مما يبطئ وتيرة التقدم في الثلث الأول من الحكاية. رغم ذلك، يُعَوَّض هذا البطئ بتصاعدٍ مؤثر في الجزء الأخير، لا سيما "الثورة الجماهيرية" وطمس الخرافة؛ مما يعيد توتر الحبكة إلى الذروة الدرامية.

 

تعد الرواية تجربة مميزة لمن يهتم بالثراء الرمزي والتحليل النفسي في السياق السلطاني العربي. وهي ليست مجرد سرد تاريخي، بل قراءة نقدية للسلطة التي تغطي الحقيقة. ورغم قلة المراجعات، إلا أن المؤلف لديه قدرة جديرة على الربط بين تخصصاته ومعارفه النفسية والفكرية، مما يجعل هذا العمل جديرًا بالتأمل والعودة إليه.

 

ثعالب الكهان رواية رمزية، نفسية، سياسية، غنية؛ مؤلفها يعتمد الذكاء في الوصف والتحليل الرمزي؛ لكنها تحتاج إلى قرّاء يبحثون وراء الطبقات عن مغزى السلطة وما يحيط بها.

 

رواية ثعالب الكهان في بلاط السلاطين تجربة تقف في دائرة العلاقة بين السلطة والدين، بين المعرفة والخرافة. عبر تحويل الصراع الفكري إلى ثورة رمزية، إذ يقدّم عبد الكريم الشهراني قراءة نقدية اجتماعية، تمزج بين تأويل السرد والتحليل الرمزي. ورغم من محدودية حضورها النقدي، إلا أنها تقدّم محتوى غنيًا للقراء الباحثين عن نصوص تحمل بُعدًا فكريًا قويًا واستفزازًا ثقافيا.

 

قراءة الطالبة: جواهر بنت مبارك المحاربية، ضمن مقرر «مدخل إلى النقد الأدبي».




قراءة في رواية "فتنة الزؤان" للكاتب إبراهيم الكوني

 

تتحدث رواية «فتنة الزؤان» للكاتب إبراهيم الكوني عن تجربة الإنسان في مواجهة ذاته، إذ تتشابك الحقيقة بالوهم ويصبح الإنسان مسكونًا بأوهامه وأحاسيسه الداخلية التي تؤثر في نظرته للعالم من حوله. ليست الرواية مجرد قصة حب تقليدية، بل سرد فلسفي رمزي يطرح أسئلة عميقة عن طبيعة الإنسان، والهوية، والحقيقة والضياع.

تدور أحداث الرواية في فضاء صحراوي مليء بالرموز والمعاني، وتبدأ حين يرى الحسن الوزّان فتاة بلهاء وحولاء تمر من أمامه، لكن بسبب تأثير قرينه الجني تامولي يراها جميلة وساحرة ويقنعه هذا الصوت الداخلي بأنها تمتلك قدرات غنائية عجيبة تجعل الإنس والجن يصغون لها إذا غنّت. من هنا تبدأ رحلة الحسن في التعلق بالوهم؛ إذ يعتقد أن هذه الفتاة تمتلك سرًا لا يراه غيره.

يحاول الوزّان التقرب منها؛ لكنه لا يجد استجابة واضحة ويتأرجح بين الإعجاب والخيبة. وبينما يعيش هذه الحكاية، تظهر سلسلة من الحكايات الأخرى المتداخلة، منها قصة غريب يدّعى منا أنه يأتي إلى القبيلة ويثير شكوك الناس، وقصة فارس يقع في حب امرأة غريبة تنتهي حياتهما فجأة في صباح زواجهما؛ ليفتح بابا للتأويلات والخرافات.

ثم عودة إلى الحسن الوزّان الذي يُخذل من محبوبته التي تفضل الزواج من غيره. يغرق في الصحراء ويُعالج لدى الرعاة؛ إذ يتعلم أن الغناء في غير موضعه قد يكون هلاكًا. وحين يكتب قصيدته الكبرى أخيرًا، تنقلب حياته؛ تُطلِّق المرأة زوجها وتلتحق به، ثم تلد ابنًا يخشى عليه من الجن. لكن النهاية تظل مرة، إذ تتهمه بسرقة القصيدة التي كتبها وتنفي عنه صفة الإبداع ليعود إلى التيه الذي بدأ منه. يكتشف أن الفتنة التي وقع فيها كانت خدعة، وأن ما ظنه حبًا لم يكن إلا إسقاطًا لوهم داخلي.

الرواية تنهي مسارها بعودة الحسن إلى الترحال، تاركًا محبوبته وابنه في تكرار رمزي لمسار الاغتراب والبحث عن الذات.

أجاد الكوني بحبكة ذات طابع حلقي، وأسئلة فلسفية تضع القارئ في مواجهة الذات. واعتمد أسلوبًا رمزيًا كثيفًا، جعل من الصحراء كيانًا روحيًا يتنفس بالحكمة والخوف. ورغم جمال اللغة والصور، إلا أن الرواية لا تخلو من تعقيد رمزي قد يبعد القارئ العادي عن معناها الحقيقي. فهي رواية لا تُروى بقدر ما تُفكَّك وتُتأمل، تعالج قضية الغربة عن الذات، وخداع الإلهام، وانهيار الحقيقة خلف أقنعة الحواس.

رواية «فتنة الزؤان» ليست فقط قصة عشق أو جنون، بل رحلة داخلية نحو معنى الحكمة المفقودة، كُتبت بأسلوب صوفي فلسفي فريد يستدعي إلى التأمل والتفكير.

 

قراءة الطالبة: لطيفة بنت سالم الحاتمية، ضمن مقرر «مدخل إلى النقد الأدبي»



إرسال تعليق عن هذه المقالة