حين يتحوّل البحث العلمي إلى قوة تصنع المستقبل
كلمة العدد: الأستاذ الدكتور أحمد الحراصي
في يوم البحث العلمي، نذكر أنفسنا وغيرنا أن رسالة البحث العلمي أجل وأنبل من أن تختزل في أرقام ترصد، أو مؤشرات تسجل لأغراض إحصائية، بل أوسع أفقا، وأعلى مقصدا، وأعمق أثرا. إذ إن غاية العلم أن يتحول من معرفة كامنة، إلى قوة فاعلة؛ إلى دواء يرفع وجعا، وتقنية تيسر معيشة، ومنتج وطني ينهض باقتصاد سلطنة عُمان، وينافس في الأسواق العالمية، وسياسة تصلح واقعا وتدفع ضررا، وفكرة ملهمة تطلق طاقة، وتهذب وعيا، وتغير مصيرا.
ونحن نقف اليوم على هذه العتبة، نستذكر رحلة البحث العلمي في هذه الجامعة، والمحطات التي توقفنا فيها، والتحديات التي واجهناها قبل بلوغ هذه المرحلة. إن عشرين عاما لهي زمن قصير في أعمار الجامعات، ولكن الإرادة الصادقة اختزلت الزمن، فتصاعد البناء، وترسخت الهوية، وتقدمت الجامعة إلى صدارة الجامعات الوطنية. وما يبعث على الاعتزاز أن تبرز برامج الذكاء الاصطناعي ومواقع البحث هذه الجامعة بصفتها إحدى أقوى المؤسسات وأكثرها نشاطا في البحث العلمي في سلطنة عُمان، ولا سيما في كيمياء المنتجات الطبيعية، واكتشاف الأدوية، والعلوم الطبية. ومما يبعث على الاعتزاز أيضًا أن ينال سبعة من باحثيها هذا العام الجوائز الوطنية للبحث العلمي. ومما يبعث على الاعتزاز كذلك أن يدرج العشرات من باحثي الجامعة، وعلى مدى خمس سنوات متتابعة، ضمن قائمة ستانفورد العالمية لأعلى 2% من العلماء الأكثر استشهادا بأبحاثهم عالميا. فلا غرابة إذن أن تتصدر الجامعة التصنيفات الأكاديمية محليا، وتنافس فيها إقليميا.
ولا ريب أن البدايات المتواضعة هي مقدمات لنهايات عظيمة، وهي أساس قانون الوجود نفسه، وهو ذات القانون الذي ينطبق على عالم التعليم والبحث والمال والأعمال.
لقد جعلت هذه الجامعة من البحث العلمي حجر الزاوية في مشروعها الأكاديمي، فأسست منظومتها على رؤية استراتيجية محكمة، دعمتها بقرارات واقعية، وممكنات مالية، واستثمار طويل الأمد في العقول؛ فأنفقت منذ تأسيسها أكثر من خمسة وثمانين مليون ريال عماني على البحث العلمي؛ أي ما يزيد على ثلاثين في المئة من موازنتها السنوية.
ومن ذات الرؤية، دعمت مشاريع الطلاب في كلياتها، وأنشات الكراسي والمراكز البحثية المجهزة بأحدث الأجهزة والتقنيات في المجالات ذات الأولوية الوطنية والامتداد العالمي، وتفردت في استقطاب الباحث المتفرغ، وتمكينه من العمل في بيئة علمية محفزة. واستحدثت أنموذجا فريدا في استقطاب طلبة الدكتوراة، عبر برامج التبادل الأكاديمي مع عدد من الجامعات العالمية. وأنشأت شركة مستقلة بصفتها ذراعا استثماريا لقطاع البحث العلمي في الجامعة، وتقدم أيضًا خدمات متقدمة للمجتمع الخارجي، وتربط المنظومة الأكاديمية باحتياجات الدولة ومؤسساتها.
ومن منطلق تلك الرؤية، آمنت هذه الجامعة بأن البذور الأولى للابتكار يجب أن تغرس في السنوات الأولى من حياة الطالب، فأنشأت مركزا يعنى بالاستشارات وتوطين الابتكار؛ ليؤدي دورا جوهريا في تحويل التعليم إلى ممارسة، والمعرفة إلى منتج، والسؤال إلى مشروع. وفي باب الشراكات، عملت الجامعة على بناء علاقات تعاون نشطة مع أكثر من مئة وثمانين جامعة ومؤسسة علمية في العالم؛ لنتجاوز المحلية في الأثر، دون أن نتخلى عنها في الهوية.
وقد أثمرت هذه الجهود في نشر أكثر من أربعة آلاف وثلاثمائة وثلاثين بحثا علميا محكما، بعدد استشهادات تجاوز مئة ألف استشهاد، بمعدل يقارب خمسة وعشرين استشهادا لكل بحث منشور، وهو رقم يكشف عن جودة المحتوى، لا مجرد كثافته. في حين بلغ عدد الكتب وفصول الكتب المنشورة باسم باحثي الجامعة أربعمئة وخمسة وثمانين كتابا وفصلا، فيما سجلت سبعا وخمسين براءة اختراع، بالإضافة إلى تمويل حضور ومشاركة في أكثر من ألفين ومئتين وستين مؤتمرا علميا داخل سلطنة عُمان وخارجها.
ولقد تميزت جامعة نزوى في مجالات علمية باتت فيها مرجعا يقصد، ومصدرا يعتمد؛ من أبرزها: أبحاث استكشاف الأدوية، والكيمياء التصنيعية، والنباتات الطبية، وعلى رأسها اللبان، فضلا عن علوم الجينوم، والأحياء الجزيئية والدقيقة، والتغذية وعلوم الأغذية؛ وذلك من طريق مركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية. وتميزت بدراسات المياه والأفلاج، عبر كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي، وتتطلع إلى الريادة في الذكاء الاصطناعي، عبر كرسي متخصص لتطبيقاته، وفي مجالات الطاقة، وعلوم المواد، وأشباه الموصلات، عبر مركز بحثي متخصص. وفي العلوم الإنسانية يبرز مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والانسانية، كونه أحد المراكز الواعدة في الدراسات اللغوية والتربوية والاجتماعية.