السنة 20 العدد 195
2025/12/01

من نزوى إلى سانت بطرسبورغ ... تعاون علمي يصنع مستقبلاً واعدًا للباحثين الشباب

التعاون بين جامعة نزوى والجامعة الروسية SHE … شراكة بحثية تعيد رسم مسارات المعرفة وتفتح آفاقًا جديدة للتقارب الحضاري]

 

 

ميلانا إليوشينا رئيسة قسم الدراسات الشرق أوسطية والإفريقية بمعهد الدراسات الشرق افريقية لـ " إشراقة":

التعاون بين جامعة نزوى وجامعة SHE يمثل أنموذجًا رائدًا للشراكات الأكاديمية الدولية

طلبتنا استفادوا من جامعة نزوى بشكل غير مسبوق … ومستوى إتقانهم للعربية ارتفع بصورة ملحوظة

مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي شريك أساس وداعم رئيس لبرامجنا البحثية

مخرجات التعاون مع جامعة نزوى فتحت آفاقًا جديدة لدراسة تاريخ عُمان وثقافتها في روسيا

عُمان أصبحت مركزًا مهمًا لطلبتنا لفهم العالم العربي بعمق واتساع

نسعى إلى توسيع برامج التبادل وإنشاء درجات مزدوجة بين جامعة نزوى وجامعة SHE

 

 

دائرة الإعلام والتسويق 

 

يمثل التعاون الأكاديمي بين جامعة نزوى في سلطنة عُمان ومعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة الأبحاث الوطنية SHE في روسيا أنموذجًا ملهمًا للشراكات العلمية العابرة للثقافات، تلك التي تتجاوز حدود المعرفة لتبني جسورًا من التفاهم الإنساني والحوار الحضاري. وفي هذا السياق يبرز الدور المحوري للدكتورة ميلانا إليوشينا، رئيسة قسم الدراسات الشرق أوسطية والإفريقية، التي أسهمت برؤيتها العلمية في دفع هذا التعاون نحو آفاق أوسع وأكثر تأثيرًا. فقد أثمرت الشراكة بين المؤسستين عن تبادل طلابي فعَّال، وتطوير مشاريع بحثية مشتركة، وتنظيم مؤتمرات دولية شكلت منصات حوار مثمرة بين الباحثين الروس والعرب، مؤكدة أهمية العمل الأكاديمي المشترك في فهم عالم سريع التحول.

 

ويكشف هذا الحوار مع الدكتورة ميلانا عن عمق تلك التجربة، وحجم الفرص التي فتحتها أمام الباحثين والطلبة، سواء في دراسة اللغة العربية وتراثها العريق، أم في استكشاف تاريخ سلطنة عُمان وثقافتها، أو في تطوير مبادرات بحثية تُسهم في إثراء الحقول المعرفية المتخصصة. ويسلط الضوء على النظرة الروسية للتقارب مع عُمان، وعلى الدور المتنامي للمراكز البحثية في تعزيز التواصل الحضاري بين الشعوب، ومواجهة تحديات العالم المعاصر عبر المعرفة والتفاهم المتبادل.

 

وهذا نص الحوار

 

  • الأستاذة الدكتورة ميلانا إليوشينا … شهدت العلاقات ومجالات التعاون بين جامعة نزوى ومعهد الدراسات الشرقية والإفريقية، ممثلا بجامعة الأبحاث الوطنية SHE، تطورات إيجابية في مجال التعاون البنّاء على المستويين البحثي والأكاديمي، إلى جانب تنظيم المؤتمرات والزيارات.

  • كيف تلمسون أهمية هذا التعاون وما يمثله لكم كونكم معهدا متخصصا في الدراسات العربية والإنسانية؟


  • إن التعاون مع جامعة نزوى يمثل قيمة كبيرة لمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية، إذ إن تطوير هذا التعاون في المجالين الأكاديمي والعلمي يُعد من أهم أولويات عملنا. وقد أتاح توقيع اتفاقية التعاون بين جامعة نزوى وجامعة الأبحاث الوطنية SHE الروسية ابتعاث طلبتنا لدراسة اللغة العربية والآدب إلى جامعة نزوى. وفي فترة قصيرة من العمل المشترك، استفاد من هذه الفرصة عشرة من طلبتنا. وقد تحسن مستوى إتقانهم للغة العربية بشكل ملحوظ، ومعرفتهم بسلطنة عُمان وتواصلهم مع أساتذة جامعة نزوى وسّع نطاق اهتماماتهم العلمية وآفاقهم البحثية بشكل كبير. وفي أثناء زيارة الدكتور سليمان الحسيني، مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية إلى سانت بطرسبرغ، ناقشنا خطط العمل البحثي والعلمي المشترك التي بدأت تأخذ ملامح محددة، وناقشنا سلسلة من المشاريع العلمية المثيرة سيشارك فيها باحثون من روسيا وسلطنة عمان.

  • بشكل عام، يمنح التعاون مع جامعة نزوى دفعة قوية للعمل العلمي ويفتح آفاقاً جديدة لدراسة سلطنة عُمان وتاريخها العريق وثقافتها الغنية. إذ يعلّق الجانبان آمالًا كبيرة على تعزيز التعاون في المرحلة القادمة في ضوء النتائج التي أثمرت عنها هذه الشراكة المثمرة والبنّاءة.

 

  • في ضوء ما أشرتم إليه من نجاحات في مجال التعاونين العلمي والبحثي، هل يمكنكم إطلاعنا على فرص التعاون المتوقعة مستقبلًا، وفي أي مجالات ستكون؟


  • سنواصل التعاون في مجال إعداد الطلبة المتخصصين في دراسة اللغة العربية والشرق الأوسط. وهناك مجال آخر مهم يتمثل في العمل المشترك بين الباحثين الروس والعمانيين على مشاريع علمية في مجال التراث والمخطوط العربي في روسيا وسلطنة عُمان، ودراسة تاريخ وثقافة ومجتمع سلطنة عُمان المعاصر، إذ يعد مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية أحد أبرز المراكز البحثية المهمة في سلطنة عُمان؛ لما يقوم به من أدوار علمية وبحثية رائدة.

 

  • جميل أن تصل علاقات التعاون مع مركز الخليل لهذا المستوى المتقدم، وهو ما يقودنا إلى السؤال عن وجهة نظركم فيما يتعلق بإسهامات المركز العلمية؟


  • يُسهم مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بإسهامات كبيرة في تطوير تعاوننا. ونحن نلمس الدعم المتواصل من مدير المركز الدكتور سليمان الحسيني، الذي يشارك بشكل فاعل في جميع مشاريعنا المشتركة، ويستجيب بنشاط لكل الأسئلة المطروحة، ويقدم دعماً لا يُقدّر لطلبتنا والباحثين الشباب. نحن على اتصال دائم مع المركز، ونقوم بعمل مكثّف لتنسيق جهودنا في تطوير التعاون بين جامعة نزوى بجامعة والجامعة الوطنية SHE الروسية.
    وقد تجلت نتائج هذا العمل في سلسلة من بحوث أُعدّت بمستوى علمي رفيع وعُرِضت في الندوة الموسومة "دراسات عُمان في روسيا: اتجاهات جديدة في البحث العلمي" والمؤتمر "الجيش والنخب والمجتمع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، التي قدمها باحثون روس وعُمانيون، وأثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط الأكاديمية.

 

  • قطع التعاون بين جامعة نزوى وجامعة الأبحاث الوطنية SHE ممثلة بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية مراحل مهمة في مجال التبادل الطلابي وحقق نتائج إيجابية ملموسة. كيف ترون استفادة الطلبة من هذا المشروع الأكاديمي؟ وما الخطط التي تضعونها مستقبلًا لتطوير هذا الجانب؟


  • حظي طلبة قسم دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بفرصة فريدة للتدرب في جامعة نزوى، والانغماس في عالم اللغة العربية والتنوع الثقافي المدهش لسلطنة عُمان الضيافة. يُحدث هذا تأثيراً كبيراً في إتقان اللغة العربية والمقررات الدراسية الأخرى. وتتيح فرصة الاستشارة مع مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي لطلبة الجامعة إجراء بحوث علمية عميقة باستخدام مصادر فريدة باللغة العربية، وتحضر مشاريعنا المشتركة والندوة الدولية والمؤتمر في نقاش علمي نشط وتبادل للأفكار؛ مما يخلق جواً محفزاً للبحث العلمي والعمل البحثي المستقل.

 

  • استضاف معهد الدراسات الشرقية والإفريقية مؤخرًا المؤتمر الدولي الثالث بعنوان «الجيش والنخب والمجتمع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وهو من المؤتمرات المهمة التي كانت جامعة نزوى شريكًا استراتيجيًا في الإعداد والتنظيم لها. ما أبرز النتائج التي خرج بها هذا المؤتمر؟


  • شكَّل المؤتمر حدثًا لامعًا في الحياة الأكاديمية بمدينة سانت بطرسبورغ، واستقطب اهتمام باحثين من روسيا وسلطنة عُمان. وعلى مدى ثلاثة أيام، عقدت 10 جلسات موضوعية، قدم فيها 55 باحثاً من 7 دول بحوثهم. ومثَّل المشاركون 34 مؤسسة علمية وتعليمية. وحضر أكثر من 70 مستمعاً وناقشوا العروض المقدمة. وتُولِد أفكاراً لمشاريع علمية مشتركة، وتحدد أبرز الاتجاهات الملحة للتطوير المستقبلي للأبحاث. ويحصل الطلبة على خبرة قيمة في إدارة النقاش وعرض نتائج أعمالهم. وكانت تعليقات وأسئلة زملائنا العُمانيين التي قُدِّمت في أثناء المناقشات النشطة بالغة القيمة. وأظهرت عروض الدكتور سليمان بن سالم بن ناصر الحسيني، والدكتور د. ناصر بن سيف السعدي، والدكتورة شفيقة وعيل، وحمد بن سليمان العزري، تنوع الموضوعات والمستوى العلمي الرفيع للبحوث التي يُجريها جامعة نزوى.
    وعلى هامش المؤتمر، أُعلن عن تنظيم مدرسة للباحثين الشباب كونها إحدى أبرز المبادرات المشتركة القريبة، والمزمع عقدها في نهاية نوفمبر القادم في معهد دراسات الشرق وأفريقيا التابع للجامعة الوطنية للبحوث - المدرسة العليا للاقتصاد في سانت بطرسبورغ.

 

  • ترتبط سلطنة عُمان بعلاقات وطيدة مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية والاقتصادية والسياحية في روسيا، وقد شهدت هذه العلاقات في الفترة الماضية تطورًا وتقاربًا في العديد من المجالات. بوصفكم أكاديميين وباحثين، كيف تنظرون إلى أهمية هذا التقارب بين البلدين الصديقين؟


  • نحن ننظر إلى التقارب الديناميكي بين سلطنة عُمان والاتحاد الروسي بصفته عملية إيجابية للغاية، إذ تتجاوز أهميتها بكثير نطاق التفاعل السياسي أو الاقتصادي. وتخلق العلاقات الودية بين بلدينا أساسًا متينًا للتفاهم المتبادل. فالروابط الأكاديمية والإنسانية تمثل جسورًا يتم عبرها تبادل المعرفة فحسب، بل والقيم والتقاليد والرؤى العالمية. إن دراسة التاريخ العُماني واللغة العربية الغنية والثقافة الفريدة لعُمان في المراكز العلمية الروسية، إلى جانب الاهتمام المتزايد في عُمان بالثقافة والعلوم الروسية، يؤدي إلى إثراء ثقافي عميق لكلا الجانبين. ويوجد هذا التقارب فرصًا غير مسبوقة للتطور العلمي. وتمثل عُمان للطلبة الروس مجالاً فريدًا لدراسة العالم العربي الحديث. ونرى الآفاق المستقبلية ليس فقط في تطوير برامج التبادل الطلابي، بل أيضًا في إنشاء برامج ماجستير مشتركة وإقامة مدارس صيفية وبرامج للشهادات المزدوجة؛ مما يسهم مباشرة في إعداد جيل جديد من المتخصصين ذوي التفكير العالمي.
    ونحن على يقين من أن مثل هذه الروابط، القائمة على أساس فكري متين، هي الأكثر استدامة وواعدًا بالمستقبل.

 

  • من طريق متابعتكم القريبة للتطور الذي يشهده قطاع التعليم العالي في سلطنة عُمان، وتقدم المجالات البحثية فيها، كيف ترون مستقبل التعليم العالي في سلطنة عُمان في المرحلة القادمة؟


  • أتابع باهتمام بالغ مسيرة التطور النشط في الجامعات العمانية، ولا سيما جامعة نزوى. وإن إخلاص زملائي العمانيين للعلم ولنقل المعرفة إلى الأجيال الناشئة، وسعيهم الجاد لبلوغ مرتبة المعايير العالمية التي تطلبها الجامعات الرائدة في مختلف أنحاء العالم، أنا أجزم بأن هذا التطور في نظام التعليم العالي بسلطنة عمان سيؤدي بالضرورة إلى مجاراة أرقى المستويات العالمية، مع الحفاظ على تنشئة أبناء الجيل الحالي على حب وإجلال تراث بلادهم الجميلة وثقافتها الأصيلة وتاريخها العريق.

 

  • في ظل التحولات المتسارعة في المنطقة والعالم، كيف ترون دور مراكز الدراسات الشرقية والإفريقية في تعزيز الحوار الحضاري والثقافي بين الشعوب، خصوصًا بين العالم العربي وروسيا؟


  • في ظل عالم يشهد تزايدًا في حدة التوترات والمواجهات، تضطلع مراكزنا برسالة إنسانية تتمثل في تعزيز التفاهم بين الشعوب على أسس من الاحترام المتبادل. فنحن لا نقتصر على دراسة تاريخ ولغات وسياسات مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا فحسب، بل نسعى إلى نقل الأبعاد الفكرية والسياقات الثقافية والقيم الحضارية لشعوب هذه المناطق إلى مجتمعنا. وهذا يسهل إدراك قيمة كل الثقافات، ويساعد على فهم أن تعدد طرق التنمية ليس ضعفًا، بل ثراء للإنسانية. وفي سياق العلاقات بين روسيا والعالم العربي، تلعب مراكزنا دور "المترجم" الذي لا غنى عنه – لا على المستوى اللغوي فحسب، بل على المستوى الحضاري أيضًا. ونحن نسهم في مساعدة على فهم العالم العربي. وننشئ منصات للحوار – سواء أكان ذلك عبر مؤتمرات مشتركة، أم ترجمة بحوث علمية وأدب، أم برامج تبادل طلابي – إذ يشكل الاحترام المتبادل والسعي نحو المعرفة الأساس المتين لهذه الحوارات. وتشهد الدراسات العربية والإسلامية اهتمامًا متزايدًا في الجامعات الروسية.

 

  • ما أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في هذا المجال؟ وكيف يمكن تعزيز حضور اللغة العربية والثقافة العربية في المؤسسات الأكاديمية الروسية؟


  • بكل تأكيد، يتعاظم الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية في روسيا. وفي رأيي، يمكن تعزيز حضور اللغة العربية والثقافة العربية في المؤسسات الأكاديمية الروسية بتطوير برامج التبادل الطلابي، وإرساء نظام للتدريب الدوري وبرامج التطوير المهني للأساتذة الروس في دول العالم العربي، وتوسيع نطاق وصول الباحثين الروس إلى المجموعات الرقمية للكتب والمخطوطات العربية، وإجراء البحوث رحلات الاستكشاف العلمية، وأخيرا، تجاوز الصور النمطية والقيود التي لا تزال تؤثر على تصور العالم العربي. وفي هذا السياق، أود أن ألقي الضوء على المبادرة التي أطلقها مدير معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية البروفيسور الدكتور يفغيني زيلينيف، والمتعلقة بإنشاء "موسوعة عمان المعاصرة". إذ يهدف هذا المشروع إلى الإسهام بشكل كبير في العلاقات الثنائية، وتقديم عمان بصفتها دولة سريعة التطور ذات تاريخ غني؛ كونها جزءا مهما من العالم العربي.

 

  • برأيكم، كيف يمكن أن تسهم الشراكات الأكاديمية بين الجامعات الروسية والعمانية في تطوير البحث العلمي المشترك، خصوصًا في القضايا التي تهم الجانبين مثل التنمية والاستدامة والهوية الثقافية؟


  • تُتيح الشراكة الأكاديمية بين الجامعات الروسية والعمانية الجمع بين القدرات النظرية الروسية والعمانية والبراعة التطبيقية في مجالات متعددة. وفي عصر العولمة، تبرز قضية الحفاظ على الهوية الثقافية بأهمية بالغة. وتطلق الشراكات بين متخصصي العلوم الإنسانية من البلدين آفاقاً واسعة يمكن تحقيقها من طريق البعثات الأثرية، والعلم الإنساني المشتركة، والمشاريع اللغوية، والدراسات الاجتماعية. وسَتشكل الندوات العلمية المنتظمة – التي تعقد إحداها في معهدنا – منهجًا لإعداد الكوادر العلمية للأجيال القادمة من الباحثين. وترتبط الأبحاث المشتركة بالتعليم ارتباطاً وثيقاً. فيكتسب طلبة الدراسات العليا والباحثون الشباب المشاركون في مثل هذه المشاريع خبرة فريدة في التواصل بين الثقافات، فالشراكة الأكاديمية استثمار في المستقبل المشترك.

إرسال تعليق عن هذه المقالة