السنة 20 العدد 195
2025/12/01

روح وثّابة تتجاوز المهمة …

 

موهبتها الخالصة تحكي تجربتها في المجلس الاستشاري الطلابي

 

 

أذكار بنت سعيد الرواحية

رئيسة لجنة الأنشطة والمبادرات – الفترة (15–16)

 

 

 

في رحلة طلابية نابضة بالإرادة والشغف، استطاعت الطالبة أذكار أن تحوّل موهبتها وقدراتها إلى قوة فاعلة داخل المجلس الطلابي؛ لتخوض تجربة ثرية أعادت تشكيل وعيها وصقلت شخصيتها. لم تكن مشاركتها مجرد نشاط عابر، بل التزامًا عميقًا حملته بكل مسؤولية؛ لتخرج منه أكثر نضجًا واتزانًا، بعد أن نجحت في الجمع بين دراستها وقيادتها، وبين شغفها وخدمة مجتمعها الجامعي. هذا التقرير يرصد ملامح رحلتها، ويضيء على المحطات التي صنعت منها قصة نجاح تستحق الإشادة.

 

 

المبادرة قرار راجح

 

تقول: "هناك تجارب تمرّ بنا لتُغيّر فينا الكثير، وتجارب أخرى نختارها نحن بوعينا الكامل؛ لأنها تُشبه ما نحمله في داخلنا من شغف وإيمان بالخير. وهكذا كانت تجربتي في المجلس الاستشاري الطلابي؛ إذ لم تكن مجرد فرصة عابرة، بل كانت قرارًا صادقًا أن أكون جزءًا من مساحة تخدم الآخرين وتمنحهم ما تيسّر من الوقت والجهد والفكرة والاهتمام.

 

أن تكون مبادرًا في هذا المكان يعني أن تضع قلبك قبل يدك، أن تخدم دون انتظار، وأن تزرع دون تفكير في الحصاد. هو شعور لا يمكن تفسيره إلا لمن جرّب أن يرى أثره في وجوه الناس؛ أن تكون سببًا في فرحة طالب، أو تسهيل أمر، أو دعم فكرة لحظة كهذه كفيلة بأن تُنسيك التعب كله".

 

 

حوار مع النفس

 

قبل أن أخطو أولى خطواتي في المجلس، كان لا بد أن أتهيأ لهذه المرحلة جيدًا. كنت أُحدّث نفسي كثيرًا: يا أذكار، هذا الطريق يحتاجك كاملة بعقلك وقلبك وجهدك. هي ليست مهمة مؤقتة، بل التزام أخلاقي وروحي تجاه مجتمعٍ طلابي كامل.

 

لقد أعددت كياني نفسيًا وجسديًا وعقليًا، وقلت في قرارة نفسي: لن أخرج من هذه الفترة إلا وقد تركت أثرًا حقيقيًا يُعبّر عن وجودي، عن فكري، وعن نيّتي الطيبة في أن أكون عنصرًا فاعلًا. وكنت أعلم أن الأشهر القادمة ستكون مزدحمة، وربما متعبة؛ لكنني كنت متصالحة مع الفكرة، مؤمنة أن كل لحظة سأعيشها فيها ستعلّمني شيئًا جديدًا عن نفسي قبل الآخرين.

 

 

وجوه جديدة وقلب مفتوح

 

أذكر أول لقاء جمعني بزملائي في المجلس؛ سبعة عشر عضوًا من تخصصات وأفكار وشخصيات مختلفة، جمعنا سقف واحد وأمل واحد: أن نخدم الطلبة ونرتقي بتجربتهم الجامعية.

كانت في البداية مشاعر مزيج بين الترقب والحماس؛ كأنك تدخل بيتًا جديدًا مليئًا بالوجوه الغريبة التي ستصبح لاحقًا قريبة جدًا من قلبك.

بدأنا نتعرّف، نتبادل الأحاديث البسيطة، نكسر الحواجز، شيئًا فشيئًا أصبح بيننا رابط جميل؛ خليط من الاحترام، والثقة، والرغبة المشتركة في العطاء. لم أكن أدرك في ذلك الوقت أن هؤلاء الأشخاص سيصبحون لاحقًا (أسرة ثانية) أشاركهم الفرح والتعب، النجاح والقلق، المواقف المرهقة والمضحكة، وكل تفاصيل الرحلة.

 

 

التحديات... طريق يصقلك

 

حين بدأ العمل الفعلي، أدركت أن الصورة ليست وردية دائمًا؛ فخلف كل فعالية ناجحة كان هناك عشرات الساعات من التنسيق، والاتصالات، والمجهود، والتفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد.

واجهتنا مواقف كثيرة، بعضها كان محبطًا، وبعضها الآخر كان مربكًا جدًا، لكن في كل مرة كنت أذكّر نفسي: هذه التحديات هي التي ستصنع فلا تهربي منها.

كانت هناك أيام شعرت فيها بالإرهاق التام، وأخرى امتلأت فيها بالحماس، ومواقف احتجت فيها أن أكون القوية التي تبتسم رغم التعب. فتعلّمت أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل بداية وعي جديد، وأن الفشل أحيانًا هو المعلّم الأصدق الذي يدفعك لتنجح المرة القادمة.

 

 

روح واحدة تنبض

 

من أجمل ما في المجلس أنك لا تعمل وحدك، بل هناك دائمًا من يشاركك التفكير، ومن يساندك في التنفيذ، ومن يُكمّل ما بدأته عندما تتعب. والعمل الجماعي علّمني كيف أكون مرنة، وكيف أضع نفسي مكان الآخرين، وكيف أتعذر لمن قصّر؛ لأنني قد أكون أنا من يقصر غدًا.

 

تعلمت أن أفرح بإنجاز غيري كما لو كان إنجازي، وأن أقف بجانبهم حين يضعفوا كما أحب أن يقفوا معي.

كنا نعمل كثيرًا، نخطئ كثيرًا، لكننا كنا نحب ما نفعله بصدق. وكان ذلك هو السرّ الذي جعل التجربة مميزة، أن تعمل من القلب، لا لأنك مجبر، بل لأنك تؤمن بما تفعل.

 

 

الدروس العميقة... نضوج يتسلل بصمت

 

مع كل أسبوع يمضي، كنت أشعر أنني أتغيّر. أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر صبرًا، وأكثر قدرة على فهم الناس وتقبّلهم.

تعلمت أن المرونة ليست ضعفًا، بل ذكاء في التعامل، وأن القسوة في المواقف لا تصنع قائدًا ناجحًا، بل تبعده عن قلوب الآخرين.

تقبلت النقد بصدر رحب، وتعلمت أن الاعتذار لا يُنقص من قيمتي شيئًا، بل يزيدني قوة واحترامًا. وفي تلك التجربة، عرفت قيمة الحوار، وضرورة الإصغاء، وجمال أن تكون سببًا في بناء بيئة عمل يسودها التفاهم والمودة. لقد دخلت المجلس بشخصية، وخرجت منه بشخصية أخرى أكثر نضجًا واتزانًا ووعيًا.

 

 

من موقعي

 

رئاسة لجنة الأنشطة والمبادرات كانت تحديًا جميلاً ومسؤولية أحببتها بكل ما فيها من تعب. كنت دائمًا في قلب الحدث، أراقب الفكرة وهي تولد، أتابعها وهي تكبر لتصبح مبادرة حقيقية تلامس أرض الواقع.

كل فعالية كانت حكاية كاملة: من عصف ذهني بسيط بين الأعضاء إلى يوم التنفيذ حيث ترى النتيجة بين أيدي الطلبة.

 

رؤية ابتسامتهم بعد كل فعالية كانت كفيلة بأن تملأ قلبي فخرًا وسعادة، وتغسل عني كل لحظة تعب. إذ تعلمت أن القيادة ليست إصدار أوامر، بل أن تكون أول من يعمل وآخر من يرتاح، أن ترفع من حولك، لا أن تتقدّم عليهم. وهنا، في هذه اللجنة، شعرت أني أعيش هدفي الحقيقي: أن أخلق بيئة طلابية تنبض بالحياة والإبداع.

 

 

بين الدرس والمسؤولية

 

لم يكن التوفيق بين الدراسة والمجلس أمرًا سهلاً. أحيانًا كنت أعود إلى المنزل بعد الاجتماعات الطويلة منهكة، لكن راضية.

كان عليّ أن أتعلم فنّ التنظيم، أن أرتب وقتي بين المشاريع الدراسية وتصميم الفعاليات والالتزامات الجامعية. ومع مرور الوقت، اكتشفت أن التخطيط المسبق والالتزام يجعلان المستحيل ممكنًا. إذ كنت أتعامل مع كل مهمة كونها أولوية مؤقتة، أُنهيها ثم أبدأ الأخرى، حتى لا تتراكم الضغوط. وفي نهاية الفترة، شعرت بالفخر لأنني أنجزت في الجانبين، وخرجت وأنا متصالحة تمامًا مع ذاتي.

 

 

شكر وامتنان

 

وأنا أودّع هذه الرحلة، أشعر وكأن قلبي يُصفّق لكل من كان سببًا في نجاحها … إلى كل موظف تعاملت معه وشارك في إنجاز فعالية أو ساعد في تسهيل مهمة، شكرًا من القلب، كنتم السند الذي لا يُرى، والوجه الطيب الذي يُشجّع دائمًا بابتسامة. وإلى كل طالب تواصل معي أو طلب خدمة أو دعم، شكرًا لأنكم كنتم الوقود الحقيقي لهذه التجربة. وجودكم ودعمكم وثقتكم جعلني أؤمن أن خدمة الناس هي أجمل أشكال العطاء.

 

أما زملائي السبعة عشر في المجلس، فأنتم أسرتي الصغيرة التي خُلقت من قلب التجربة: كنتم مرآتي، ورفاقي في كل لحظة تعب وضحك، في الاجتماعات الطويلة والمشاريع المفاجئة، في الجدل والحماس والإنجاز. تعلمت منكم معنى الأخوّة والعمل الجماعي والنية الصادقة، وستبقى ذكراكم محفورة في قلبي دائمًا.

 

 

ولا أنسَ شكري الكبير لعمادة شؤون الطلاب وإدارة جامعة نزوى، اللتين منحتانا الثقة والفرصة لنعبّر عن أفكارنا ونُنفذها، نخطئ ونتعلم ونَنضج في بيئةٍ آمنة ومحفزة.

 

التجربة انتهت زمنيًا، لكنها ستبقى بداخلي دائمًا في ذاكرتي، في طريقتي بالتفكير، وفي نظرتي للحياة والعمل. لقد خرجت منها بقلبٍ ممتلئًا بالعرفان، وبروحٍ أكثر نضجًا، وبقناعة راسخة أن العطاء للآخرين هو أعظم طريق لمعرفة الذات. ففي كل تجربة، نكبر بطريقة لا يراها أحد.

إرسال تعليق عن هذه المقالة