بعيون تجربة إنسانية ومعرفية ...
مسيرة معرفية تُنسج من شغف العلم وخدمة المكتبة
في عالم تتسارع فيه التحولات المعرفية وتتزايد فيه أهمية تنظيم المعلومات وإتاحتها، تبرز شخصيات جعلت من المكتبة فضاءً حيًّا للمعرفة، ومن العمل فيها رسالة سامية تتجاوز حدود الوظيفة. وفي زاوية شخصية العدد، تلتقي صحيفة إشراقة بالأستاذة مروة بنت قاسم العميرية، أمينة مكتبة جامعة نزوى، التي شكّلت مسيرتها التعليمية والعملية أنموذجًا للاجتهاد والالتزام، وأسهمت ببصمة واضحة في دعم الحركة البحثية والخدمات المكتبية داخل الجامعة.
س1/ عرّفينا بنفسك… نشأتك والأسرة والمجتمع؟
أنا مروة بنت قاسم العميرية، وُلدت ونشأت في أسرة أعتز بها؛ إذ كنت أكبر الأبناء والأحفاد فيها، وكانت الأسرة بأكملها ترى فيّ أول فرحة وأول طموح. منذ سنوات الدراسة الأولى، كان حلمي وحلم أسرتي أن ألتحق بجامعة السلطان قابوس، والحمد لله تحقق ذلك. واليوم، إلى جانب مسيرتي المهنية، أفتخر بكوني أمًا لطفلين.
س2/ ماذا عن مسارك التعليمي؟ كيف كان الطريق من المدرسة إلى الجامعة وصولًا إلى العمل في مكتبة جامعة نزوى؟
بدأت رحلتي التعليمية بالالتحاق بمدرسة التعليم المبكر (الروضة) مدة ثلاث سنوات، ثم واصلت تعليمي في المدارس الحكومية من الصف الأول حتى الصف التاسع، قبل أن أنتقل إلى مدرسة أخرى أكملت فيها الدراسة حتى الصف الثاني عشر. ولله الحمد، كنت من المتفوقين علميًا واجتماعيًا في جميع المراحل، واخترت في الصف الثاني عشر المسار العلمي، وحصلت على نسبة 92%.؛ إذ قُبلت في جامعة السلطان قابوس، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، تخصص دراسات المعلومات، وتخرجت بعد أربع سنوات من الدراسة (2010–2014). وبعد نحو تسعة أشهر من التخرج، التحقت بالعمل في جامعة نزوى بوظيفة أمين مكتبة، ولا أزال على رأس عملي حتى اليوم، إذ أكملت قرابة عشر سنوات من العطاء المهني.
س3/ حدّثينا عن تكوينك الثقافي والعملي واهتماماتك في هذا المجال؟
أمتلك تكوينًا ثقافيًا ومهنيًا متنوعًا في مجال علم المكتبات والمعلومات؛ إذ تعرّفت في مسيرتي العلمية والعملية على أسس تنظيم المعرفة، من فهرسة وتصنيف، وإدارة مصادر المعلومات، وتقديم خدمات المستفيدين. أما عمليًا، فاكتسبت خبرات في التعامل مع مصادر معلومات متنوعة، ورقمنة المحتوى، وتطبيق المعايير الحديثة في تنظيم المعلومات مثل RDA وMARC21، إلى جانب مهارات في إدارة قواعد البيانات، ودعم البحث العلمي، وتحليل احتياجات المستفيدين.
وأحرص باستمرار على متابعة كل جديد في المجال، وحضور الورش والملتقيات التي تسهم في تطوير مهاراتي المهنية.
س4/ ما أبرز بصماتك وذكرياتك في جامعة نزوى؟
على مدى الأعوام الماضية في جامعة نزوى، تركت بصمات أعتز بها؛ إذ شكّلت الجامعة مساحة حقيقية للنمو المهني والعطاء المعرفي. وشاركت في تطوير بيئة المكتبة وخدماتها، وأسهمت في تنظيم برامج وفعاليات ثقافية دعمت الحركة القرائية والبحثية.
وكان لي دور في إرشاد المستفيدين داخل المكتبة وخارجها، وتيسير وصولهم إلى مصادر المعرفة. ولعل أجمل الذكريات تتمثل في العمل بروح الفريق، ومشاركة الطلبة شغفهم بالبحث والتعلّم. فجامعة نزوى بالنسبة لي ليست مجرد مكان عمل، بل محطة تُصنع فيها الخبرات وتُبنى فيها علاقات مهنية وإنسانية تترك أثرًا طيبًا في الذاكرة.
س5/ أين تتجلّى أبرز إنجازاتك العلمية والعملية؟
منذ التحاقي بمكتبة جامعة نزوى عام 2015، أسهمت في تطوير الخدمات المكتبية وتعزيز التجربة المعرفية للمستفيدين؛ إذ شاركت في فهرسة مئات مصادر المعلومات، وإعداد قوائم الكتب لعمليات التزويد، والعمل ضمن المناوبات بين أقسام الإعارة والمراجع والوسائط السمعية.
وشاركت أيضًا في عمليات الجرد اليدوي، وإعادة ترتيب الرفوف، ودمج المجموعات العربية والإنجليزية، إضافة إلى أعمال الترفيف على وفق تصنيف الكونغرس. وفي إحدى السنوات، كنت مسؤولة عن الخطة التشغيلية للمكتبة وإدارة المخاطر، وشاركت في تمرين محاكاة الإخلاء الطارئ الذي نفذته الجامعة عام 2023م. وحضرت العديد من المؤتمرات والورش والملتقيات داخل السلطنة وخارجها، والشكر موصول لإدارة المكتبة، ممثلة بالدكتور جمال السالمي، على إتاحة هذه الفرص التطويرية.
س6/ ما الرسالة التي تستعينين بها في طريق العلم والعمل؟
أسير في طريق العلم بخطى واعية، مؤمنة بأن المعرفة أمانة، وأن تنظيمها وخدمتها رسالة حضارية تُبنى بها العقول والأوطان. وأسعى لأن تكون المكتبة فضاءً للبحث والاكتشاف، وأن تكون التقنية وسيلة لتيسير الوصول إلى المعلومة لا تعقيدها.
أعمل على نشر الوعي المعلوماتي، وحفظ حق الوصول إلى المعرفة، وحماية الملكية الفكرية، مع الاستعداد الدائم لمواكبة التطورات التقنية بعقل منفتح. وأؤمن بأن التعلم المستمر، والإخلاص، والانضباط، والبحث الدائم، هي ركائز أساسية لبناء مجتمع معرفي واعٍ يُحسن استخدام المعلومات.
س7/ كيف تتعاملين مع نقاط القوة والضعف؟
أستثمر نقاط قوتي لتعزيز جودة الخدمات المكتبية، مثل مهارات التواصل وخدمة المستفيدين، والقدرة على التعلم السريع، والعمل بروح الفريق. أما نقاط الضعف، فأتعامل معها بالتدريب المستمر، وطلب التغذية الراجعة، وتنمية المهارات التقنية بالتعلّم الذاتي، وتحسين إدارة الوقت وتحديد الأولويات.
س8/ ما توجيهك لطلبة العلم للاستفادة من خدمات المكتبة في ظل الانفجار المعرفي؟
أرى أن النقلة النوعية الحقيقية تتمثل في:
-
تعزيز مهارات البحث الذكي وتقييم المعلومات وإدارة المعرفة.
-
بناء وعي معرفي يدرك أن كثرة المعلومات لا تعني جودتها.
-
الالتزام بأخلاقيات استخدام التقنية واحترام الملكية الفكرية، واستخدام الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديلًا عن التفكير.
-
ربط الطالب بالمكتبة بوصفها جزءًا من تجربته اليومية ومفتاحًا لإنتاج المعرفة.
فالمكتبة اليوم لم تعد مكانًا للكتب فقط، بل مركزًا لإنتاج المعرفة وصقل التفكير، وحسن توظيف التقنية هو الفيصل بين نهضة علمية وتشويش معرفي.