مستقبل الأفلاج بالربط بين تقاليد الري القديمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي
إسحاق بن ناصر بن راشد الشبيبي
سلطان بن علي بن ناصر البوسعيدي
كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي
تعد الأفلاج العمانية من أبرز معالم التراث المائي في سلطنة عمان، فهي ليست مجرد قنوات لنقل المياه بل نظام متكامل يربط الإنسان والماء والأرض، وقد أثبتت الأفلاج العمانية عبر تعاقب السنوات قدرتها على تنظيم الموارد المائية بعدالة وكفاءة؛ مما جعلها رمزا للحكمة التقليدية في استدامة الموارد.
وتعتمد الأفلاج العمانية على نظام دقيق لتوزيع المياه لضمان العدالة والمساواة بين المزارعين، فقد كان الأجداد يستخدمون مجموعة من الأساليب العبقرية حيال ذلك، وتعد هذه الخبرة الموروثة شفهيا عبر الأجيال التي تجمع بين الكفاءة العملية والقيم الاجتماعية أنموذجا فريدا للاستدامة في إدارة الموارد الطبيعية.
ولعل التحديات التي تواجه الأفلاج العمانية في وقتنا الحالي، مثل ضعف نقل المعرفة التقليدية بين الأجيال والتحضر المؤدي إلى نقص الاهتمام بالأفلاج وغيرها، بات من الضرورة بمكان التفكير في مستقبل الأفلاج وإيجاد الحلول المناسبة للحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة مع المحافظة على هويتها الثقافية والبيئية.
فمن هنا يمكن للتقنية والذكاء الاصطناعي أن يصبحا أداة فعالة للحفاظ على الأفلاج العمانية؛ وذلك بتطبيق مجموعة من الحلول الرقمية لجميع التحديات التي تواجه الأفلاج، كزرع المستشعرات الذكية لمراقبة مستوى المياه وجودتها والتنبيه لأي انسداد أو جفاف محتمل، وإنشاء التطبيقات والمواقع الإلكترونية لمساعدة المزارعين على متابعة مواعيد السقي بدقة، مع احترام قواعد العدالة التقليدية، وتوثيق المعارف المرتبطة بالأفلاج، فيمتزج بذلك التراث بالابتكار.
ويعد نظام لمد لإدارة الأفلاج العمانية الذي يعمل عليه كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي بالشراكة مع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه والمدعوم من قبل صندوق التنمية الزراعية والسمكية من الأنظمة المتخصصة التي تعمل على توفير حزمة واسعة من الخدمات الرقمية المتعلقة بالأفلاج العمانية، إذ يمكِّن النظام من إدارة الأفلاج العمانية إدارة شاملة تغطي الجوانب الفنية والتنظيمية والمالية، إذ يتيح النظام توثيق مواقيت الري وتسجيل الحصص المائية بدقة عالية، مع تقديم تنبيهات فورية للملاك والمستخدمين عن أوقات الري، ويشمل خدمات الإدارة المالية المتعلقة بتحصيل الإيرادات وصرف المصروفات، وإدارة الأوقاف المرتبطة بالفلج، وتنظيم عمليات المزايدة على وفق إجراءات واضحة وموثقة، إضافة إلى ذلك يوفر النظام إمكانية رسم مسارات الأفلاج وتوثيقها رقميا، وغيرها من الخدمات.
يوفر النظام عبر موقعه الإلكتروني مساحة معرفية متكاملة للتعريف بأنظمة الأفلاج العمانية؛ بعرض أنواع الأفلاج العمانية وآليات الإدارة التقليدية وتوثيق الجهود القديمة والحديثة للمحافظة عليها، إذ تتاح عبر المنصة مجموعة من البحوث والكتب العلمية المتصلة بهذا الإرث المائي العريق؛ ليكون ذلك مرجعا ثريا يخدم الباحث العماني والدولي على حد سواء، ويسهم في تعزيز الدراسات المتخصصة وحفظ المعرفة التاريخية المتصلة بالأفلاج.
وبهذه المنظومة المتكاملة يسهم نظام لمد في تعزيز كفاءة إدارة الأفلاج والمحافظة على إرثها بتحويل الخبرات التقليدية إلى أدوات رقمية داعمة للاستدامة.
إذ بدمج التقاليد القديمة مع الذكاء الاصطناعي تفتح آفاقا جديدة للحفاظ على هذا التراث وضمان استمراريته، وتكوين أمن مائي مستدام، وتحويل هذه القنوات المائية إلى أنموذج عالمي يحتذى به في إدارة المياه.