السنة 20 العدد 195
2025/12/01

بين النسخ والمحاكاة: أين يقف من الواقع؟

المسرح العربي: إضاءة تاريخية وتحديات الحاضر 

 

أجرى الحوار: محمد بن علي القرني

 

يعد المسرح واحدًا من أهم الفنون التي رافقت الإنسان منذ القدم، فهو لم يكن مجرد وسيلة للتسلية، بل مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع وأفكاره وطموحاته. وفي العالم العربي، لعب المسرح دورًا بارزًا في نقل الوعي والثقافة، وشهد عبر تاريخه مراحل مختلفة من النشأة والتطور والتجديد؛ ليبقى حاضرًا ساحة للنقاش والإبداع. وانطلاقًا من اهتمام صحيفة "إشراقة" بتسليط الضوء على الرموز الثقافية والفكرية في جامعة نزوى، نلتقي اليوم الدكتور محمد إسماعيل بصل، الكاتب والمؤلف في مجال المسرح وأستاذ اللسانيات الحديثة في قسم اللغة العربية بجامعة نزوى، لنتحدث معه عن تاريخ المسرح العربي، وواقع هذا الفن اليوم، وما يحمله المستقبل له من فرص وتحديات.

 

حدثنا عن رحلتك مع المسرح ؟

في الحقيقة أنا مؤلف في المجال المسرحي ومن بعد أيضًا كنت مخرجًا مسرحيًا لسنوات طويلة، ولقد أسست عدداً لا بأس به من الفرق المسرحية الجامعية، إما في القطر العربي السوري وإما أيضًا في المملكة العربية السعودية عندما كنت أستاذًا مُعارًا في المملكة. طبعًا لنا تجارب كثيرة في حضور المهرجانات وفي تقييم أيضًا العروض المسرحية، وأنا كنت مديرًا للمسرح القومي لسنوات عديدة في سوريا، وفي المدينة اللاذقية بالتحديد، وإذ كنت أراقب أكثر من لجنة من العروض المسرحية، حاولنا قدر الإمكان أن نفعل دور الشباب في إنشاء المسرح، فدعوت الشباب وشيدت لهم مهرجانًا أسميته في ذلك الوقت "مهرجان مسرح الشباب"، وهذا كان مخصصًا للشباب لتقديم تجاربهم؛ لتقديم حكاياتهم، لتقديم آمالهم، لتقديم طموحاتهم على خشبة المسرح؛ فمثلت تلك الحقبة باعا طويلا في العمل المسرحي، من أبرز ملامحها: تقديم المسرح مع الطلبة الذين يحبونه ويؤمنون بالدور الذي يلعبه في حياة المجتمع، ليصبح دوره حضاريا وتطويريًّا، وتعليميا أيضًا.

أين بدأ المسرح العربي؟ وأين هو الآن؟

طبعًا بدايات المسرح العربي كانت متأخرة قياسًا بالفنون الأدبية الأخرى، إذ إن ظهوره تأخر إلى ما بعد العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وقد ظهر المسرح بشكل خجول في البداية في بعض البلدان العربية، وربما يكون سابقًا لذلك عندما ظهر في سوريا على يد بعض الأسماء المشهورة في تاريخ المسرح العربي مثل: أبو خليل القبّاني صاحب التجربة الغنية، الذي أُحرق مسرحه في دمشق أيام الاحتلال العثماني، فهرب الرجل إلى مصر وأسس هناك مع مجموعة من الأتراك مسرحًا عربيًا لا يمكن أن أعده أنا مسرحًا أصيلًا بصراحة؛ لأنه اعتمد على نقل التجارب الغربية التي سمع بها أو حكي له عنها من قبل رحالة كانوا يأتون إليه من أوروبا، فحدثوه عن المسرح في فرنسا، فاطلع على بعض هذه المسرحيات، وبخاصة المسرحيات الكلاسيكية الفرنسية، ثم ترجمها وعرّبها وحوّلها إلى بيئة عربية نوعًا ما، يعني عرب الأسماء. ولكن ما يُحسب له، وما يُحسب للقبّاني، وهذا يُعد أصيلًا في فن المسرح العربي وبخاصة في سوريا، أنه اعتمد على ما يسمى المسرح الغنائي، وهذا يتناسب مع البيئة العربية والمجتمع، فكان يؤلف الأغاني ويلحّنها، وكان أيضًا يوزع أدوارها، أي أدوار هذه الأغنية بشكل مقاطع على الفرقة المسرحية ويؤدون هذه الأغاني، فَالمسرح الغنائي كان قويًا ومهمًا وأساسياً في المسرحية في تجربة أبو خليل القبّاني.

 

هل المسرح العربي أصيل أم أنه مقتبس من الثقافة الغربية؟

المسرح العربي ليس أصيلا؛ لأنه ليس هناك مسرح عربي أصيل بالمعنى الخاص بالمسرح؛ بل راح الباحثون في نقله؛ يعني كأنه نقل لعملية تامة لما هو موجود في المسرح الآن؛ لذا راح الباحثون فيما بعد، والنقاد والمؤرخون والمؤرخون الأدباء، راحوا جميعهم يبحثون عن ظواهر موجودة في التراث العربي يمكن أن يقال عنها إنها ظواهر مسرحية، واستندوا عليها، وقالوا من طريق ذلك عرفنا المسرح. وهذه الظواهر تبقى مثل الظواهر، فهي ليست مسرحًا على الإطلاق، وإنما ظواهر تشبه المسرح.

إذن ما أريد أن أقوله هنا لا وجود لِمسرح عربي أصيل، وإنما بحث عن مسرح عربي أصيل في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بحث عن صيغة لمسرح عربي أصيل، وجاءت هذه الصيغة على أيدي كتاب وباحثين ونقاد بصراحة كثيرين، ولكن هل وجدوا صيغة أصيلة لمسرح عربي أصيل؟ أنا برأيي لا، لم يجدوا هذه الصيغة، فبقي المسرح العربي مقلدًا ومستنسخًا لما هو موجود عند الغرب، على الرغم من وجود تجارب في المغرب العربي وفي المشرق العربي وفي أماكن شتى وفي أماكن عربية كثيرة، حاول المسرحيون تقصير المسرح العربي وحاولوا تقديم بعض المسرحيات التي يمكن أن تكون مستمدة من بيئة عربية خالصة؛ ولكنها تجارب فردية لا تشكل حالة علمية موضوعية.

 

إذا كان المسرح العربي ليس موجودا في الثقافة العربية، متى وجد المسرح العربي؟

نعم، بالتأكيد المسرح لم يكن موجودًا، بل وجد في مطلع القرن العشرين، وازدهر بصفته تجارب مسرحية عربية متفردة ومتفرقة في الأقطار العربية، ازدهر في الخمسينيات وفي الستينيات، ثم بدأ المسرح أيضًا يفقد بريقه، يعني مع مطلع التسعينيات، والذي أثر في المسرح بصراحة بشكل كامل وبشكل خطير هو ظهور الدراما على التلفاز.

 

كيف أثرت الدراما على المسرح العربي؟

في التسعينيات بدأ الممثلون المسرحيون يذهبون باتجاه الدراما وصناعة الدراما؛ لما تدر عليهم من أرباح وليس لتقديمها مشاريع فكرية وتنموية يمكن أن تفيد المشاهد، وإنما لمسوغات مادية بحتة. ونحن لا نلوم أحدهم في اختياراته، ولكن الذي يمكن أن يلام تلك المؤسسات الثقافية الحكومية الموجودة في المنطقة العربية التي لم تقدم الدعم الكافي للمسرح حتى تكون هناك خيارات لبعض الممثلين الذين لا يريدون الذهاب إلى الدراما، حتى غرقوا في هذه الحياة الدرامية. وهذا أدى إلى رحيل رجالات المسرح منه، تركوه وذهبوا باتجاه الدراما؛ لذلك نلاحظ أن معظم طلبة المعهد العالي للفن المسرحي لا يحلمون بتقديم مسرح، إذ لم يدخلوا إلى المعهد العالي؛ ولكن يحلمون بالحصول على الدراما في المعهد العالي للفن المسرحي عندما يتحولون إلى نجوم، لأن النجوم يحصلون على الشهرة والاهتمام، وهذا أدى إلى أن بعض الشباب تأثروا بشكل كبير فيما يشاهدونه أمامهم، وتمنوا لو كانوا هم أيضًا جزءًا من هذا المشهد، فذهبوا إلى المعهد العالي للفن المسرحي؛ ولكن ليس لأنهم يحبون الحياة المسرحية بعد التخرج، وإنما ليتحولوا إلى ممثلين في صناعة الدراما.

 

لماذا هناك ترويج كبير لصناعة الدراما عكس ما يتم للمسرح؟

لأن الدراما أسهل بالنسبة للمشاهد، فالمشاهد يكون جالسًا في بيته ويتفرج على ما يشاء ويقطع الحلقة في اللحظة التي يشاء، ينام وينعس ويقوم ويتسلى ويتحمم ويأكل، ويذهب إلى مشوار ويعود، ويكمل الحلقة أيما شاء، وهذا في المسرح لا يكون، إذ إنّ المسرح يحتاج إلى تجهيز المتفرج، فالمتلقي عليه أن يحضر نفسه قبل موقع العرض بوقت لا بأس به، عليه أن يختار لباسًا أنيقًا للذهاب إلى المسرح، المكان الذي يجلس عليه في المسرح، وعليه أن يتفق مع أصدقائه وأن يذهبوا إلى خشبة المسرح أو إلى صالة المسرح؛ ليروا من على خشبة المسرح أشخاصًا من لحم ودم يحدثونهم، ويقدمون لهم حكاية قد تعنيهم أو قد لا تعنيهم، وقد تحاكي مجتمعهم أو قد لا تحاكي، ولكنهم سَيتفاعلون مع هذه الحكاية سلبًا أو إيجابًا.

وهذا طقس احتفائي وحواري بين هؤلاء الممثلين على خشبة المسرح، وبين الجمهور الذين جاءوا ليتفرجوا على هذه الحكاية المقدمة أمامهم من طريق الفرجة. فإذن المسرح هو فرجة، وهو طقس احتفائي واحتفالي تذهب إليه ولا يأتي إليك.

 

كيف تصف حال المسرح العربي اليوم؟

المسرح العربي اليوم، في هذا العصر الذي نعيشه، هو في أسوأ مرحلة مر بها على الإطلاق، وليس هناك من مرحلة أسوأ من ذلك. المسرح العربي اليوم في حالة سيئة، المهرجانات التي تُقام ما هي إلا سوى بعض الأنشطة التي تسجل لأصحابها من أجل أن يستمروا في وظائفهم، فتقوم في معظم الحالات على العلاقات الشخصية، ويقومون بدعوة بعضهم، فيذهبون ويقدمون عروضًا مسرحية منتخبة وليست للجمهور، وإنما لجمهور المهرجانات. هذا هو المسرح في أحسن حالاته في الوقت الراهن.

ويحتاج المسرح إلى دعم حضاري، يحتاجه المجتمع كله. لا يمكن تصور مجتمع دون مسرح جامع، لا يجوز أن يكون هناك مجتمع علمي وثقافي وما فيه شيء باسم المسرح. المسرح حالة حضارية استثنائية، حالة حوار وخلق حوار حضاري، مخصص لبناء المجتمع، للتنوير، وللتعليم. المسرحيون على خشبة المسرح يجب أن يكونوا بارعين، تدربوا طويلًا، لديهم خبرة وثقافة متميزة … بإمكانهم أن يتحاوروا مع الجمهور. المسرح مهم جدًا، والمفترض أن الحكومات تدعمه.

 

يقال إن المسرح مرآة المجتمع، هذه عبارة شائعة كثيراً، برأيك هل ينقل المسرح العربي فعليًا هموم الناس وقضاياهم اليومية؟ 

نعم، المسرح وما يزال المرآة التي تعكس هواجس المجتمعات، آمال الأفراد وآلامهم ومعاناتهم. يمكن القول إن المسرح هو مرآة المجتمع، ولكن يجب أن نضيف: المرآة ليست الصورة الحرفية لما تعكسه، ولا يجب أن تكون كذلك. هناك أنواع للمرآة: المرآة المحدبة، المرآة المقعرة، المرآة المتكسرة، المرآة المتشظية … كل مرآة تعكس شيئًا ما. والمسرح لا ينسخ الواقع وليس من مهمته أن ينسخ الواقع، فنسخ الواقع هذا من عمل المؤرخين الذين يسطرون الأحداث كما هي. فالفن ليست مهمته أن ينسخ الواقع، إنما أن يحاكي الواقع ويقدّم للناس شيئًا كما لو أنه واقع، المسرح يعرض الحكاية بطريقة فنية، ليست الحقيقة نفسها. والمسرح لا يقدم الحقيقة، وليس مطالبًا بذلك، يكفيه أن يحاكي ما يمكن أن يجري. المسرح هو لعبة فنية يجب أن يتوفر فيها عنصران: عنصر المتعة وعنصر الفائدة، يجب أن تمتعني وتفيدني، يجب أن تلمس مشاعري وحوافزي.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة