السنة 20 العدد 195
2025/12/01

توشيبا... على مثله يكون الرثاء!

      

 

 

 قصة هذا الجهاز بدأتْ في سبتمبر 2013 ميلادي؛ أي قبل 12 عامًا ونيف من اليوم، بدأتْ الرحلة مع عتبتي الأولى للكلمات التي خطوتُها منه نحو العالم، كان الفسحة التي أجد فيها نفسي؛ والغرفة التي فيها عالمي؛ والفكرة التي نضجت من طريقها الأسئلة والمشكلات! بل كان هذا الجهاز نافذة يمرّ منه بصري إلى المعرفة، ورفيقًا أخذ بيدي اثني عشر عامًا، يكبر معي خطوة خطوة وهو يسجّل مراحل الزمن التي طرقتها مذ أخذته إلى يوم الناس هذا!

 

         بلوحة مفاتيحه نسجتُ أكثر من عشرين بحثًا، كأنّ به حكيمًا يحتضن الأفكار؛ أو فيلسوفًا يصهرها؛ أو نحاتًا يرسمها! يراها من زاويته ويسجلها داخله بغية الاحتفاظ بالأثر وعرضها بعد حين!

 

         معه قرأتُ عشرات الكتب والمجلات؛ وكتبتُ جملة قصص وحكايات؛ ترجمتُ قرابة أربعين ترجمة لأعلام نفوسة؛ فكان يفتح لي الأفق نحو دهاليز التاريخ بهدوء معتاد، وسكينة معهودة، وكأن به يطمئنني ويقول: "تابع… أنا معك."

 

        جملة مقالات خرجت من وهج شاشته؛ وجمْع من الخواطر خُطّت بمفاتيحه وأزراره؛ ففيهما تشكلتْ الأفكار ورُسمتْ المعاني وتبلورتْ الخطط حتى باتت واضحة المعالم مكتملة الأركان.

 

        ثلاثة كُتبٍ عرفها توشيبا قبل أن تقرأها أيُّ عين، حملها في ذاكرته بصبرٍ مكتوم، ووجع مكلوم وفرح معلوم! كأنّه أمينُ سرٍّ عليها؛ فلا يفشي خبرها ولا يكشف سترها حتى تكللت بالنجاح والفلاح!

 

        حتى رسالتَيّ في الماجستير والدكتوراة شهد مخاضهما الطويل، وتابع تسلسل الكلمات وجريانها في المستند أكثر مما رأى أقرب الناس إليّ.

 

       عشتُ معه أجمل الساعات؛ وأصعب اللحظات؛ وأحلك الظروف؛ فكان الأكثر وجودًا، والأصدق حضورًا، والأوسع صدرًا، فهو المنتظر بلا ميعاد؛ والمستمع بلا ضجر؛ والمتحدث بلا لسان! حتى صرتُ متعلقًا به تعلق الأب بابنه؛ والأم بولدها؛ أخاف عليه من لمسة القريب قبل البعيد؛ حتى من الكهرباء التي بها يتغذى؛ مخافة الحرارة التي تؤذيه؛ أو الانقطاع الذي يطفئه! لأنه بصدق كان قطعة من جسدي وامتدادًا لروحي، وذاكرة دامتْ عقدا ونيف مذ غادرت البلاد حتى يومي هذا.

 

       وها هو اليوم أفارقه، وفي القلب ثقل يصعب وصفه وبيانه؛ فما كنت أحسب أن للأجهزة روحًا تؤثّر في النفس؛ أو قدرة على التملك والتعلق! تجربة "توشيبا" علّمت درسًا وأشعلت فكرة وأوضحت معنى حتى وهي ترحل، والله المعين على الفراق!

إرسال تعليق عن هذه المقالة