(مستوى التفكير الإيجابي وعلاقته بالتنظيم الانفعالي لدى المشرفين التربويين في سلطنة عُمان )
رسالة مقدمة من الطالب: نادر بن مبارك بن سويلم الكلباني
تخصص: الإرشاد والتوجيه
العام الأكاديمي: ٢٠٢٤/٢٠٢٥
في رحاب المعرفة، يواصل طلبة الدراسات العليا بجامعة نزوى صناعة قصص تستحق أن تُروى؛ قصص يبدأ أثرها في قاعات البحث ولا ينتهي عند حدود الجامعة. ومن هنا جاءت هذه الصفحة الثابتة لتكون نافذة يطلُّ منها مكتب النشر على أبرز أطروحات طلبتنا العمانيين، وما تحققه من إسهامات علمية تضيف إلى رصيد المعرفة، وتثري بيئات العمل في مختلف القطاعات. إنها مساحة نحتفي فيها بالعقول المجتهدة، ونقرّب للقارئ حصاد أبحاث جادّة أسهمت في فهم قضايا المجتمع، واقتراح حلول واقعية، وتعزيز مسار التنمية والابتكار.
قراءة وتنفيذ: شذى بنت حمد السعدية
متابعة: مكتب النشر
في رسالة الماجستير التي تناولت موضوع "مستوى التفكير الإيجابي وعلاقته بالتنظيم الانفعالي لدى المشرفين التربويين في سلطنة عمان"، عُرضت جوانب عديدة تسهم في تحسين أداء المشرفين التربويين والمدارس على حد سواء. تركز الرسالة على أهمية تعزيز التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي للمشرفين التربويين، وكيفية تحقيق ذلك في بيئة العمل التربوية، ودور هذه التحسينات في رفع كفاءة الأداء التربوي والإداري.
طبيعة الرسالة وما تقدّمه
تتناول الرسالة مستوى التفكير الإيجابي ووظائف التنظيم الانفعالي لدى المشرفين التربويين في سلطنة عُمان، وتهدف إلى: التعرف إلى مستوى التفكير الإيجابي لدى المشرفين التربويين، والتعرف إلى مستوى التنظيم الانفعالي لديهم. والكشف عن طبيعة العلاقة بين المتغيرين، بالإضافة إلى الفروق باختلاف الجنس، التخصص، وسنوات الخبرة.
وقد استخدم الباحث منهجًا وصفيًا ارتباطيًا على عينة كبيرة (307 مشرفًا ومشرفة) من مجتمع يبلغ (1389) مشرفًا ومشرفة بوزارة التربية والتعليم في سلطنة عُمان، وطبّق استبيانين مقنَّنين للتفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي، ثم حلّل البيانات باستخدام برنامج SPSS أساليب إحصائية وعدة؛ مثل: المتوسطات والانحرافات المعيارية، واختبار (ت)، وتحليل التباين، والانحدار. هذه البنية العلمية القوية (عينة مناسبة، أدوات مقننة، ومعالجات إحصائية متقدمة) هي الأساس الذي يجعل للرسالة أثرًا عمليًّا حقيقيًّا يمكن توظيفه في الميدان التربوي.
ما الأثر العلمي المتحقق من الرسالة؟
١- توفير أدوات مقنَّنة لقياس التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي
إذ أعدَّ الباحث استبانة للتفكير الإيجابي وأخرى للتنظيم الانفعالي بعد الاطلاع على الأدبيات والدراسات السابقة، ثم عرضهما على عدد من المحكّمين، وتحقّق من صدقهما وثباتهما باستخدام معامل كرونباخ ألفا، فجاءت معاملات الثبات مرتفعة؛ مما يدل على إمكانية الاعتماد على هذه الأدوات في القياس العلمي. وباستعمال أدوات القياس، أصبح لدى وزارة التربية والتعليم وأقسام الإشراف أدوات جاهزة وموثوقة يمكن استخدامها دوريًا لقياس مستوى التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي لدى المشرفين. ويمكن استخدام هذه الأدوات في تقويم أثر البرامج التدريبية؛ بقياس المشرفين قبل التدريب وبعده. أيضاً يمكن تعميم هذه الأدوات – بعد التكييف المناسب – على فئات أخرى مثل المعلمين أو الإداريين أو المرشدين الطلابيين.
٢- تقديم صورة تشخيصية دقيقة عن الواقع الإشرافي في عُمان
أظهرت نتائج الدراسة مستوى محدّدًا بين المرتفع والمتوسط للتفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي لدى المشرفين التربويين، مع إبراز الأبعاد الأقوى والأضعف في كل مجال عبر الجداول الإحصائية التي عرضت المتوسطات والانحرافات المعيارية لعبارات كل بُعد. فمن طريق الصور التشخيصية الدقيقة عن الواقع الإشرافي، أصبح لدى صانع القرار التربوي خريطة واضحة لنقاط القوة والاحتياج في شخصية المشرفين؛ مثل:
•أبعاد قوية: التفاؤل، تقدير الذات، الرضا عن الحياة، التوقعات الإيجابية.
•أبعاد بحاجة إلى تعزيز: بعض مكونات التنظيم الانفعالي مثل إدارة الغضب أو التعامل مع الضغوط… إلخ (بحسب ما تعكسه الجداول التي تقيس أبعاد التنظيم الانفعالي).
•يمكن بناء البرامج التدريبية على وفق هذه الخريطة بدل العمل بطريقة عشوائية أو عامة.
٣- إثبات العلاقة بين التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي
من معاملات الارتباط وتحليل الانحدار الخطي المتعدد، توصّلت الدراسة إلى وجود علاقة ارتباطية دالّة إحصائيًا بين التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي، وبيّنت جداول الانحدار أن التفكير الإيجابي يسهم في التنبؤ بجزء من التباين في مستوى التنظيم الانفعالي لدى المشرفين. فالرسالة تقدّم مبررًا علميًا قويًا للاستثمار في تنمية التفكير الإيجابي لدى المشرفين؛ لأنه ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل مهارة تؤثر مباشرة في قدرتهم على ضبط انفعالاتهم وإدارتها في مواقف العمل. ويمكن للوزارة أن تعتمد نتائج الدراسة في تبرير إدخال مساقات ومجالات تدريبية خاصة بالتفكير الإيجابي ضمن خطط إعداد المشرفين وتدريبهم.
٤- التوصيات العملية المباشرة
في فصل التوصيات، تقدّم الدراسة مجموعة مقترحات عملية، من أبرزها:
١- تضمين برامج إعداد المشرف التربوي وبرامج التنمية المهنية مساقات وأنشطة تهتم بتنمية مهارات التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي.
٢-عقد ورش عمل ودورات تدريبية للمشرفين التربويين في مهارات إعادة التقييم المعرفي للانفعالات، وضبط الغضب، والتفكير المتفائل، والتحدث الذاتي الإيجابي.
٣- الاستفادة من نتائج الدراسة في تصميم برامج إرشادية نفسية وتربوية موجهة للعاملين في الميدان التربوي.
٤- اقتراح إجراء دراسات مماثلة على فئات أخرى مثل المعلمين والطلبة والمرشدين، وعلى متغيرات أخرى ذات صلة.
وهذه التوصيات ليست نظرية، بل يمكن تحويلها بسهولة إلى خطط عمل تدريبية وإرشادية داخل الوزارة والمدارس.
كيف تفيد هذه الرسالة المدرسة، والإداريين، والمعلمين، والطلبة؟
تكمن في قسم الأهمية التطبيقية للدراسة، إذ يوضح الباحث أن نتائجها تمكّن المسؤولين في الوزارة من التعرف إلى مستوى التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي لدى المشرفين؛ مما يساعدهم في اتخاذ قرارات مناسبة تتعلق بالتدريب والتأهيل.
عمليًا يمكن أن تستفيد المدرسة والوزارة في الآتي:
-
التخطيط للبرامج التدريبية بتصميم خطط تدريب سنوية للمشرفين والمعلمين تركز على المهارات التي ثبت حاجتهم إليها (مثل إدارة الضغوط، التفكير المرن، إعادة التقييم الانفعالي). واستخدام المقاييس التي طوّرتها الدراسة لقياس أثر هذه البرامج.
-
تحسين بيئة العمل التنظيمية؛ فالمشرف يمتلك تفكيرًا إيجابيًا وتنظيمًا انفعاليًا جيدًا يكون أكثر قدرة على إدارة الخلافات، وضبط الانفعالات في أثناء الزيارات الصفية، والتعامل بهدوء مع المشكلات، وهذا ينعكس على مناخ المدرسة عامة. وهذه النتائج تدعم توجهات رؤية عُمان 2040 في بناء رأس مال بشري يمتلك المرونة النفسية والقدرة على التكيف.
-
تغذية راجعة لصنّاع القرار، إذ توفر الدراسة مؤشرات عملية يمكن عرضها على متخذي القرار في المديريات التعليمية لتعديل برامج الإشراف، أو توزيع الأعباء، أو مراجعة معايير اختيار المشرفين.
فائدة الرسالة للإداريين (مديري المدارس، المساعدين، رؤساء الأقسام)
الإداريون يتعاملون يوميًا مع المشرفين والمعلمين والطلبة، ونتائج الدراسة توضّح أن التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي مهارتان أساسيتان للقيادة التربوية الناجحة. يمكن للإداريين الاستفادة من مضامين الإطار النظري الذي يشرح استراتيجيات التفكير الإيجابي (مثل التحدث الذاتي الإيجابي، توقع النتائج الإيجابية، حل المشكلات بطريقة بنّاءة). والمفاهيم المرتبطة بالتنظيم الانفعالي (إعادة التقييم المعرفي، كبح الانفعال، فهم مشاعر الآخرين، الاستجابة لانفعالاتهم). وهذا يمكّن مديري المدارس من: إدراج هذه المفاهيم في الاجتماعات الدورية والتقارير التربوية. وتبنّي نمط قيادة يقوم على الهدوء، واحترام الانفعالات، وتشجيع التفاؤل الواقعي.
فائدة الرسالة للمعلمين
مع أن عينة الدراسة هي المشرفون، إلا أن المعلمين يعدون المستفيد المباشر من جودة الإشراف. فعندما يكون المشرف أكثر قدرة على تنظيم انفعالاته في أثناء الزيارة الصفية، وأكثر ميلاً للتفكير الإيجابي، والتركيز على نقاط القوة بدلًا من التركيز على الأخطاء فقط؛ فإن ذلك ينعكس على المعلم في صورة مناخ إشرافي داعم لا تهديدي؛ مما يقلل من القلق ويزيد من دافعية المعلم؛ ليقدّم تغذية راجعة بنّاءة تساعده على تطوير أساليبه التدريسية بدلًا من الاكتفاء بالنقد. ونمذجة عملية لكيفية التعامل مع الضغوط والانفعالات، ويمكن للمعلم أن ينقلها إلى طلبته. لذا؛ فالرسالة توفّر أُسسًا علمية لإعادة بناء العلاقة بين المشرف والمعلم قوامه الدعم النفسي والمهني، لا على أساس التفتيش والمحاسبة فقط.
فائدة الرسالة للطلبة
الأثر في الطلبة غير مباشر لكنّه مهم؛ فالمعلم يعمل تحت إشراف داعم، وفي مدرسة يسودها تفكير إيجابي وتنظيم انفعالي جيد، يكون أكثر قدرة على توفير بيئة صفية آمنة نفسيًا، والتعامل بهدوء مع السلوكيات الصعبة، ونقل مهارات التكيف الإيجابي للطلبة بالقدوة والممارسة اليومية؛ لذا يمكن أن تسهم نتائج هذه الرسالة في تقليل التوتر والاحتراق النفسي في الصفوف التعليمية، وتعزيز اتجاهات إيجابية نحو المدرسة والتعلم لدى الطلبة.
فائدة الرسالة للعلوم الأخرى والبحث العلمي
-
الإسهام في علم النفس الإيجابي وعلم النفس التربوي؛ فالإطار النظري في الفصل الثاني يربط بين مفاهيم التفكير الإيجابي، والتنظيم الانفعالي، ونظريات الانفعال، واستراتيجيات الضبط الانفعالي، مستندًا إلى أدبيات عالمية وحديثة. وبذلك يضيف دراسة عربية/عُمانية إلى حقل دراسات علم النفس الإيجابي. ويختبر هذه المفاهيم في سياق ثقافي وتربوي مختلف، مما يثري المقارنات العالمية.
-
خدمة مجالات الإرشاد النفسي والمهني؛ إذ يمكن للاختصاصيين النفسيين والمرشدين التربويين استخدام أدوات الدراسة ونتائجها لتصميم برامج إرشادية للمشرفين والمعلمين تستهدف تنمية التفكير الإيجابي وتنظيم الانفعالات. ويمكن توظيف النتائج في برامج الوقاية من الاحتراق النفسي والضغوط لدى العاملين في المؤسسات التعليمية.
-
فتح آفاق لدراسات مستقبلية في مقترحات الدراسة، إذ يدعو الباحث إلى إجراء أبحاث أخرى في: عينات مختلفة (معلمون، طلبة، إداريون). ومتغيرات أخرى مثل: الرضا الوظيفي، وجودة الحياة المهنية، والتحفيز، والدعم التنظيمي… إلخ. وهذا يسهم في بناء سلسلة من الدراسات المترابطة التي تطوّر فهمنا لدور التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي في المؤسسات التعليمية.
بين يدي الختام
الرسالة قدّمت أدوات قياس مقننة يمكن استخدامها فعليًا في الميدان. ورسمت صورة تشخيصية واضحة لمستوى التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي لدى المشرفين التربويين في سلطنة عُمان، أثبتت علاقة علمية دالة بين التفكير الإيجابي والتنظيم الانفعالي، وقدرة التفكير الإيجابي على التنبؤ بالأخير. وقدّمت توصيات عملية مباشرة يمكن للوزارة والمدارس والإداريين تحويلها إلى برامج تدريب وإرشاد. وهي بذلك تفيد: الوزارة والمدرسة في التخطيط والتطوير، والمشرفين في نموهم المهني والنفسي، والمعلمين في تلقي إشراف داعم، والطلبة في التمتع ببيئة تعليمية أكثر صحة، والعلوم التربوية والنفسية في توسيع دائرة المعرفة والبحث في هذا المجال.